الطائفة الضعيفة

الاب لعازر عبود

يعاني مسيحيو الشرق من مشاكل جمة، وخاصة في موضوع الطائفية والمواطنة، فصاروا يعتبرون أنفسهم أقلية تطالب بحقوق الأقليات، يرون ضعفهم في عدم قدرتهم على اجراء تغييرات نحو مواطنة لكل الوطن، فيستبدلون ذلك بإيجاد مكان في موقع طائفي لكي لا يخسروا وجودهم، والمشكلة إننا إن كثرنا نتكلم كأكثرية عالمية وسلطوية

ولكن لكي نفهم ماذا يجب أن نفعل؟ علينا أن نعود إلى القرن الرابع، ما هو الإنجاز الضخم الذي استطاعت ان تفعله المسيحية؟ هل هو تحويل دين الإمبراطورية الى المسيحية؟ لو سعى المسيحيون لتحويل الإمبراطورية لمسيحية لفني الجميع والرسل معهم، لكن الامر الأعظم لأقلية لا تتجاوز بضع الاف في امبراطورية مسكونية آنذاك، انها استطاعت تظهر قانون الحرية الدينية للجميع لكل مواطن بل وكان هو مصلحة الدولة، كلٌّ يتعبد دينه كما يشاء، أعلن مرسوم ميلانو(1) في عام 313م “”نحن قسطنطين اوغسطوس وليكينيوس أوغسطوس بعد تبادل الرأي في ميلان تبين لنا ان مصلحة الدولة تقضي بتنظيم أمور التعبد ومنح المسيحيين وجميع الرومانيين حق اتباع الدين الذي يؤثرون وذلك ليرضى الإله أيا كان عنا وعلى جميع الخاضعين لنا، وبعد التبصر في هذا قررنا عدم التعرض لحرية المعتقد، وهكذا اننا لا نمنع أحدا من الناس اتباع دين المسيحيين او أي دين اخر يختاره هو لنفسه…” مما منح التسامح لجميع الأديان، بما فيها المسيحية. وزاد مرسوم ميلانو على مرسوم غاليريوس للتسامح عام 311م إرجاع ممتلكات الكنيسة المصادرة. وبهذا المرسوم أصبحت الإمبراطورية رسميا محايدة فيما يتعلق بالعبادة الدينية؛ فليست الديانات التقليدية باطلة غير المشروعة ولا المسيحية الدين الدولة، وهنا يمكن جوهر عمل الدولة، الحياد ان تكون راعية كل مواطنيها

فتحويل الإمبراطورية الى مسيحية كان عمل السياسة الذي خلق لها مشاكل جمة منه من ناحية أولى، وصار أعداء الدولة المسيحية السياسية هم أعداء المسيحين والكنيسة، وحتى بعد قرون من سقوط الإمبراطورية.

 اما عمل إعطاء الحريات والتساوي بالمواطنة فكان عمل الشهادة المسيحية عمل الروح، الذي جعل المسيحية نورا للأمم الوثنية.
ومن ناحية ثاني  يرى المؤرخ أسد رستم إن الامبراطور اعتبر من واجبه حماية الدين فتدخل بشؤن الكنيسة، الذي ولد مشاكل جمة بين الكنيسة والدولة، وما شطر الكنيسة الجامعة الى شطرين  في القرن الحادي عشر سوى تدخل السياسية بالكنيسة  (2)

اذن تكمن المشكلة في غاية التوجه، وليس في القدرة على التحقيق، المسيحية الحية لا تستطيع ان تكون قوة سياسية إزاء قوة اخرى، لكيلا تصبح ندا لجماعات في ذات الوطن، يقول البطريرك اغناطيوس هزيم (“علينا أن نعلن حقوق الله في عدالة البشر، في كل بلد وقرية، ضد الغلو السياسي فيما نلح على حرية كل الإنسان، كل فئة بشرية وذلك ازاء القمع والتعسف، وحدها الحرية رسولة الحقيقة وفيها تتحقق وحدة الانسانية وعملها المشترك”. (3)

ان التحدي الآن هو تحول من مؤسسة كنسية تعمل على النهوض بمجتمعها إلى طائفة تصبح جزء من منظومة عمل سياسي، سيقول قائل: في نظام طائفي ما، يجب ان تظهر الكنيسة كطائفة لكيلا تضيع حقوق أبنائها، ردنا: أن الكنيسة لا يمكن ان تسير بمنطق العالم السياسي لأن دخولها بمنطق العالم لتكون حزبا او قوة سياسية يحتم عليها ان تحمل سلاح من أسلحة العالم التي تعجز عن حمله، بينما يبرع أخرون أضعافا في استعماله. فليس عملها ان تصبح قوة في العالم، إنما قوة من أجل حياة العالم.

اننا اليوم وها هي الساعة حاضرة بحاجة لصرخة المسيحيين وشهادتهم أيام الكنيسة الأولى، الكنيسة الأولى كان همها أن تنعم بالحرية والمواطنة والمساواة، وبحاجة لمن يخرج الجميع إلى نور المواطنة الرحب ويستجيب لمتطلبات شعب وليس لمقتضيات وقت، كما المسيحيين الأوائل، الذين أعطوا أيضا للكل المواطنين الرومانيين وثنين وغيرهم المستعبدين للإمبراطور نورا جديدا وحرية وعتقا من استبداد الحكام، فرأوا جميعا “سماء جديدة وارضا جديدة”(رؤ١:٢١)

…………………………….

  • أسد رستم، تاريخ مدينة انطاكية العظمى جزء اول، ص181.
  • أسد رستم، تاريخ مدينة انطاكية العظمى جزء اول، ص189.
  • أغناطيوس الرابع هزيم، نفحات انطاكية، خطاب البطريرك في الفاتيكان ١٩٨٣، ص١٤.