مقام الفريسي والعشار: “اعرف نفسّك”
يتمحور هذا المقام حول معرفة الإنسان لذاته، يقول القديس اسحق السرياني “من يعرف ذاته أعظم ممن يقيم الموتى”، والتواضع هو تماما هذه المعرفة، لم يخطأ الفريسي عندما قال “أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ.” (لو 18: 12). بل أخطأ عندما قال أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ..وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ.” (لو 18: 11).أي عندما وضع ذاته معياراً لمعرفة نفسه وقاس عليها”فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ.” (لو 18: 11).، الكبرياء هو أن تضع القريب في كف ميزان وذاتك في أخرى، وتقيس عظمتك بما فشل القريب بتحقيقه، أي بمعنى آخر أن أجعل القريب درج وأرتفع على حسابه، كان يُقيّم الآخرين لا نفسه، ليظهر عظمته.
بينما العشار وضع الله معياراً لذاته”لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ.” (لو 18: 13)، فأدرك قيمتها بقياس قامة الله، وعرف الهوة التي بين نفسه وبين الله ذاته، وهذا هو التواضع أن تدرك قيمة ذاتك وقامتها، يقول الكتاب “يَا بُنَيَّ، مَجِّدْ نَفْسَكَ بالْوَدَاعَةِ، وَأَعْطِ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ مَا تَسْتَحِقُّ.” (سيراخ 10: 31).
يظن البعض أن التواضع هو كما نقول بالعامية (يمشي الإنسان الحيط الحيط ويا ربي السترة) والمتواضع هو الدرويش والغشيم والقط بياكل عشاه، أو ينكر الإنسان أعماله وفضائله ومواهبه، هذا كله ليس تواضع وليست من المسيح ولم يكن يسوعنا هكذا، المتواضع هو رجل وسيد، المسيح كان متواضعا ولكن رجلاً وسيداً، ووديعا ولكن حازماً، لنأخذ المعلم نموذج، المسيح لم ينكر عمله فقال مثلا”فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ.” (يو 8: 29)، ولم ينكر مالديه وقال”لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (مت11: 29) وصاح”مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟”(يو 8: 46)، لكنه أدرك ذاته واضعاً الآب معياراً له “أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي.” (يو14: 28).
أول مقام هو مقام معرفة الذات”اعرف نفسك”، وأن أنظر لنفسي وأقيسها حسب قامة يسوع، وأنظر إلى الآخر بعين يسوع لأقيمه لا لأصعد على كتفه وأجعله مطرحاً لقدميَّ، و لا أنشغل بتقييم القريب، والبعيدين عن الله والغير مؤمنين الذين لا يعبدون الله والقتلة والفاسدين والزناة وإلخ، هكذا نكون عبرنا المقام الأول، ولكي نظل مستقرين فيه عندما نعمل خيراً، نقول ما علمنا إياه المعلم يسوع”إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا».” (لو 17: 10) وعندما ننظر لأنفسنا نصرخ كبولس الرسول أنا أول الخطأة (1 تي 1: 15)