أحد الشهادة والثورة (أحد السجود للصليب، الثالث من الصوم)

الأب لعازر عبود

أحد السجود للصليب، ليس أحد مفخرة به أو تقديم إجلال له، وليس لتعزية في الصوم بل ليشعل ثورتنا، هو أحد الوعي لمعناه: أنه موقف في الوجود، الاستعداد للشهادة، فالمسيح ثورة هبطت من السماء كالصاعقة “لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو 4: 18)، جاء يزود عن كرامة صورته (الإنسان)، ونحن عندما نرتمي بالسجود أمام الصليب نعلن انضمامنا لتلك الثورة لندافع عن كرامة صورته ونقلب المعايير ولو كان الثمن أن نصلب كالمسيح، يقول المطران بولس يازجي “هذا هو تحدي المسيحيين الدائم أن يبرهنوا أنهم مثل مسيحهم وإلا فالمسيحية ماتت مع المسيح على الصليب”(1)، الصليب ألو ثمن، والثمن: شهادة دم(حمراء) أو شهادة ضمير(بيضاء).

أمات المسيح الموت على الصليب، وطرد الشيطان وأدانه “اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا.” (يو 12: 31)، وبقي علينا أن نحارب أشكال الموت وصنوف الشر، أعاد المسيح بموته على الصليب السيادة للإنسان على العالم، وأعطى المؤمنين فيه “سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ.” (لو 10: 19)، جاء المسيح فحقق الخلاص بالقوة، ونحن علينا أن نجعله حاضرا بالفعل في البنى الاجتماعية للمجتمع.

أما أشكال الموت والشر فهي: الخطيئة والفساد والسرقة والمحسوبيات والمحاباة والرشوة والظلم الاجتماعي وعدم وجود عدالة للمواطنين، والاضطهاد بسبب حرية الرأي والفكر والعقيدة، ارتفاع الضرائب، واعتقال أصحاب الرأي والفكر، وسرقة أموال الناس، الطائفية والفساد السياسي والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وكرامته، عدم تحقيق العدالة، والحروب والإرهاب وانتهاك حقوق المرأة والأطفال، تجنيد الأطفال والقتل والتشويه والاغتصاب، العنف الجنسي، التعذيب عدم المساواة، التمييز الوظائفي، التهجير واضطهاد الآخر بسبب فكره ودينه ومعتقده، التمييز بسبب اللون أو العرق…الخ

وضع أحد الصليب في منتصف الطريق، لنسأل أين نحن اليوم، وهل حملنا ككنيسة ومسيحيين مؤمنين بالمسيح راية يسوع الأولى وطبقنا برنامج عمله “…َأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو 4: 18)، “ووصية الله “انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ” (سفر إشعياء 1: 17)، فهل نحن مدافعون عن المتألمين والمظلومين والمقهورين، ونحارب أشكال الخطيئة في بنى المجتمع، ونحرر الحياة السياسية ونعمل على خلق مجتمع مدني.

الخطية الاصلية موجودة في البنى الاجتماعية وما تحويه من استغلال وسحق، والبؤساء في البلاد ليسوا بؤساء بسبب إرادة الله، بل بسبب أخلاق الجنس البشري الساقط، فالخطيئة ليست مسؤولية شخصية حرة وحسب، بل هي شر دائم وظلم بنيوي وتفرقة مستمرة بين الناس، على هذا الأساس لا ينحصر الفداء في محو الخطيئة الفرديةـ بعد الموت، بل يشمل التحرير من أنظمة العالم المستبدة، فالتحرير يعني العمل وثورة للانطلاق نحو عصر جديد، يكون فيه كل شخص حراً ومستقلاً ويعيش مسؤوليته بكرامة داخل ثقافته.

الخلاص ليس حدث مرتبط بما بعد الموت، عندما نقول الخلاص أخروي نصف مداه لا حصريته، فإن قوة الصليب هي قوة دفق وتغيير، فتحرير موسى لشعبه من عبودية فرعون ليست قصة رمزية (عن)، بل هي قصة حقيقية (في التاريخ) لشعب عانى العبودية والاستبداد والاضطهاد، فسبق موسى وحمل رسم الصليب وخلص شعبه من السلطة المستبدة سلطة فرعون، لذلك عَمَلُ موسى هو تحرير سياسي بامتياز(1).  ويقول المطران جورج خضر “فما الإنجيل إلا دعوة إلى الثورة بعد أن ملأها المسيح بالمحبة والحرية الباطنية، وما كانت الكنيسة إلا لتحفظ هذه الثورة المقدسة لكل الأجيال، تريد الكنيسة أن تكون الثورة شاملة ضد الجمود والسطحية والظلم الاجتماعي والانحلال الخلقي والرجعية المريضة” (2)

للأسف المشكلة حينما تخاطب المؤسسات الدينية والخطاب الديني الناس لا يتناولان حاجاتهم المادية(غير الكرتونة) ولا يفعلان شيئا لقلب البنى السياسية الظالمة، ونلاحظ صمتهما المطبق تجاه الظلم العلني في سوريا ولبنان الذي اتصف به المجتمع، وكأن عمل المتدينين إقامة الطقوس، بدل العمل والسعي لبناء مجتمع مدني والمساهمة في بناء دولة المواطنة والديمقراطية، يقول اللاهوتي الكساندر شميمن” هل هي مصادفة أن يعيش اليوم أكثر من تسعين في المئة من الأرثوذكس في دول استبدادية….ألا يشير هذا إلى إخفاق الفهم الشرقي (المعاصر) لمشكلات العالم؟(3)  وهذا ما يؤكده بردياييف “إن خطايا الكنائس التاريخية كانت عظيمة جدا، وهذه الخطايا: خيانة عهد المسيح واستعمال الكنيسة لدعم الطبقة الحاكمة، حملت عقابها معها….لا يمكننا أن نتجاهل الهوة التي فصلت المسيحية عن الرازحين تحت نير الألم، فبسبب هذه الخيانة انحرفت الكنيسة”(4).

تكتفي المؤسسة الدينية بتوزيع مساعدات كأنها جمعية خيرية، بينما نرى يسوع لم يأتي ليطعم الناس بل أن يحرر الإنسان ليحيا بالكرامة والحرية، فنرى أن القديس باسيليوس لم يكتفي بتخفيف آلام الفقراء بأعماله الخيرية، ولكنه انقض على جذور الشر المختبئة وراء تعسف الحكام وظلمِهم، وفي أعماق قلوب الأغنياء وشجعهم المتزايد، فحارب الخطيئة وتصدى للإسراف الباطل…باذلا قصارى جهده للدفاع عن كرامة الإنسان الذّليل مطالباً بحقوقه الطبيعية والاجتماعية(5)، وعمل أيضا على الضغط على الإمبراطور وانتزع منه قراراً صريحا يدين أعمال بيع الأولاد (6)

كان القديس نكتاريوس (+١٩٢٠) أيضا يجتهد ليحرر الحياة السياسية اليونانية من الصراعات العشائرية والفساد، بتأكيده لأولاده الروحيين على الخطوط الكبرى لنوع من المناقيبية الانتخابية، قائلاً: لا تنتخبوا أناس منقسمين ومضطربين ونفعيين غارقين في حب المادة، الذين يعتبرون البرلمان سلعة تجارية، وليس وسيلة لخدمة أكبر عدد ممكن من الشعب، هم لصوص ودخلاء ارموا بهم بعيداً عن إدارة الشأن العام”(7)

وكان القديس غريغوريوس بالاماس محاربا الظلم الاجتماعي في أبرشيته صارخا ” مَن مِن أصحاب النفوذ لا يشارك في السرقات؟ …إنهم يبتلعون كل ما للفقراء والمجندين والذين يخدمونهم، يفرضون الضرائب من دون رحمة يضمرون الكراهية للبشر، وأما من هم أقوى فلا يقدرون على مجابهتهم”.

في النهاية، نستمد في أحد السجود للصليب قوة من قوة المسيح وشهامة شهداءه، ونتعهد على محاربة أشكال الخطيئة، ونعمل على تفعيل الخلاص في الزمن “جئت لألقي نارا على الأرض…”(لو49:12)، يتعهد الساجد من أمام الصليب أن يشعل ثورة “ثورة يقدم ثوارها حتى دمهم، حين تستدعي الظروف، يقدمون ضميرهم كل لحظة، فمن أجله يموتون اليوم كله، فلما توقفت شهادة الدم لم يوفر المسيحيون عن سيدهم شهادة الضمير” يقول لمطران بولس يازجي(8)،  فالمسيحي الذي يظل ساجدا أمام الصليب ومغلقاً عينيه عن واقع الناس وآلامهم، ولا يعكس انتصار المسيح في البنى الاجتماعية والحياة المدنية، يجعل من انتصار المسيح أسطورة تنفع الراقدين، ويصبح المسيح عندئذ آخر مسيحي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  1. المطران بولس يازجي، سفر الكلمة (عظات في اناجيل الآحاد والأعياد)، الجزء الأول، التريودي والبندكستاري، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع، صـــ66.
  2. جورج خضر، حديث الأحد، الدين الأديان، الجزء الثاني، منشورات النور، صــ106
  3. لاهوت التحرير الأرثوذكسي (النموذج الروسي)، الأب سامي حلاق اليسوعي، دراسات لاهوتية، دار المشرق، بيروت، الأشرفية، صفحة 17.
  4. المرجع السابق، صــ91
  5. القديس باسيليوس الكبير(حياته، أبحاث عنه، مواعظه) سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم 12، عني بكتابته وجمعه وتنظيمه الاب الياس كويتر المخلصي، منشورات المكتبة البوليسية، صـ102
  6. المرجع السابق، صــ102
  7. حوار مع البطريرك أثيناغوراس، أوليفييه كليمان، وجوه أرثوذكسية معاصرة 5، تعريب ديمتري كوتيا، تعاونية النور الارثوذكسية لنشر والتوزيع، صـ106
  8. المطران بولس يازجي، السائحان بين الأرض والسماء(الله والإنسان)، الجزء الثاني، منشورات دير سيدة البشارة، حلب 2008، صـــ17