يوحنا السلمي وديستويفسكي (الأحد الرابع من الصوم، أحد يوحنا السلمي)

الأب لعازر عبود

ينتمي يوحنا السلمي وديستويفسكي إلى عالمين متكاملين، الأول عالم الروح والثاني عالم النفس، ويشكلان معا وجه الإنسان الترابي(ديستويفسكي)، وأيقونته المتجلية(يوحنا)، والإنسان المسيحي الذي يريد أن يحلق في عالم الإلهيات عليه أن يأخذ جناحين، الأيمن: الأدب الروحي والثاني: الأدب الإنساني، لا يمكن للمشتاق للتحليق ألا يغوص، كما أن المسيح ذو طبيعتين بشرية وإلهية، هكذا لمن شاء أن يتذوق حلاوة التجلي عليه أن يصعد السلم برفقة ديستويفسكي ويوحنا.

((توجه شاب طامح في الرهبة إلى جبل آثوس قال الشاب يا أبت قلبي يتحرق للحياة الروحية للنسك للتواصل والاتحاد الدائم مع الله، للطاعة لأب روحي ارشدني يا أبت القديس لأتقدم روحيا، ذهب رئيس الدير وأحضر كتاب دايفيد كوبرفيلد لكاتبه شارلز ديكنز، قال: يا ابني اقرأ هذا الكتاب، اعترض الشاب المضطرب: لكن يا أبت هذه رواية عاطفية ابتداعية من العصر الفكتوري، نتاج العبودية الغربية، هذا ليس كتابا روحياً ولا حتى أرثوذكسياً، أحتاج لكتابات تعلمني الروحانية، ابتسم رئيس الدير وقال: ما لم تنمي فيك أولاً مشاعر مسيحية طبيعية وإنسانية، وتتعلم أن ترى الحياة كما رآها دايفي الصغير-ببساطة، بعذوبة، بحرارة، بغفران-فكل الروحانية الأرثوذكسية وتعاليم الآباء لن تجدي نفعاً بل ستحولك لوحش روحي وستدمر روحك))(1).

لا تقودنا المعرفة الروحية منفردة إلى الله، بل بالواقع قد ترمينا في عالم مختلف وباتجاه معاكس تماماً، إذ قد نستسلم إلى الإغراء ونتخيل بأننا بسبب سعة معرفتنا أصبحنا المميزون عند الله وبالتالي ننضم لجوقة الفريسيين، ولاشك أن الغرق فيها منفردة، يقودنا إلى الأصولية والتحجر والتشدد الديني.

مشكلة الكثير من المتدينين هي الإكتفائية بالأدب الروحي، وهذه طريق خاطئ، فقد خاضه الإنسان القديم عندما تزوج بنو الآلهة بنات الناس فأنجبوا (جبابرة)، ولا يمكن أن أيضا أن يكتفي بالأدب الإنساني لوحده فهذا الطريق يقوده لليأس والتشائم وحتى إلى العدمية، البقاء في الأدب الإنساني هو غوص في الأعماق وتجول في الواقع البشري المتعب واليائس والتصادم مع مآسيه ويجعل القارئ يدور في عالم لا مخرج منه، بينما الأدب الروحي ينتشل الثاني من جحيمه أي من عالم البشرية المغلق.

يجب أن نوازي بين الإثنين وننطلق من عالمنا على أساس متين كما قال المسيح الرجل الحكيم من يبني بيته على الصخر، فالكنيسة حاربت هرطقة الطبيعة الواحدة للمسيح، وهذا تماما يقودنا ليكون للإنسان جناحين يحلق بهما، مالم يُتخذ لم يخلص وما لا يعرف لا يُجلى، نحن علينا أن نسأل ماذا سنُخَلِص؟ وهذا يجيبنا عليه ديستويفسكي ويخبرنا عن الطبيعة البشرية، وكيف نُخَلِص؟ ويجيبنا يوحنا السلمي (دع السلم تعلمك)، لأن الإنسان بالنهاية يعمل على شفاء نفسه البشرية (التي يكشف صراعتها ديستويفسكي) فلا يمكنه أن يستغني عن معرفتها الإنسان ويتسلق السلم لئلا يموت.

ما هو عالم السلمي: عالم المثال ” صُورَتِنا كَمِثالِنا”(تك26:1)، كما يقول المطران بولس “حركة صاعدة وسلم لنتدرج عليها من الأرضيات إلى السماويات، والصعود هو العودة والتدرج باتجاه الكرامة البشرية والقيمة البشرية الحقيقة لكياننا، كما أعطاه الله من طاقات وأراده في سمو كرامته،…. وفي هذه الحركة نبني من كياننا البشري كيانا إنسانيا مسيحيا قد تصور المسيح فيه،… هذه الدرب درب عبور من حالة لأخرى، إنها بناء حالة تبدل أو بناء جديد في بنية قديمة، إنها زرع للحياة الروحية في بنية بشرية مادية” (راجع عظة المطران بولس، الصوم-السلم الإلهية)

بينما عالم دستويفسكي: عالم الصورة “صُورَتِنا كَمِثالِنا”(تك26:1)، كان “دوستويفسكي” مفتونًا بالإنسان “الإنسان لغز”، فقد أخذ بتعقيداته؛ ليصبّ كل اهتمامه الأدبي على وصف الطبائع البشر، وإظهار اختلافاتهم، والغرق في أعماق أرواحهم ورسم صورة كاملة عن مختلف أشكال حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم؛ إنه يحاول استكشاف سلوك الإنسان باعتباره كائنًا غير منطقي؛ تتأثر أحلامه ومخاوفه وآلامه بأشكال مختلفة لا تتبع منطقًا واضحًا، أو طريقًا واحدًا.

فرواية دوستويفسكي هي رواية العزلة البشرية بتعبير “ألبيريس” تعبير عن الاضطراب وعدم التلاحم والغمّ الذي يشعر به الإنسان لكونه وحيدًا في وجود لم يُصنع له. إن روايته لا تحمل لهذا القلق الأزلي جوابًا، لكنها فقط تحاول خلق منعطف آخر للمأساة، فتحت وطأة الحزن، يشعر الإنسان بأنه ينتسب إلى جنس غير جنس البشر، محاولًا إيجاد أهمية أخرى لتصرفاته؛ غير التفسيرات التي يعطيها إياه العالم، بهذه الطريقة يمتزج السماويّ والأرضي في الرواية لتقوم أخيرًا على رفض وهم استقلال كل ما هو أرضي عمّا سواه(2).

يُظهر ديستوفسكي الإنسان بأعمق انحداره صائراً صرصار (رواية من أعماق الأرض)، ويظهر يوحنا الإنسان بأعظم تجلياته صائراً إلها، وهذا ليس بتناقض بل هذا واقع الإنسان الذي ينحدر إلى أعمق أعماق التقزم أو يرتفع إلى قامة الله، فيشرح الأول واقع أنفسنا ويكتب ما نود قوله ولا نعرف كيف نعبر عنه، فيقول مثلا “إن افظع ما في الحياة يتجلى عند الإدراك الشديد بالقصور الذاتي، وبالتالي أنت لست قادر على تغير نفسك فحسب، إنما لا تستطيع أن تفعل شيئا بالمرة”، أو يقول “لا يمكنني ان اسامح احدا لان من يصفعني يكون مدفوعا بتأثير القوانين الطبيعية التي لا يملك الانسان ان يسامحها ولا يمكنني ان انسى لان الصفعة اهانة على كل حال”

يأتي يوحنا ليضع لنا سلماً منتصبا في وسط مرارة ديستويفسكي ليكمل له القصور الذاتي وعجزه، بالنعمة الإلهية التي تكمل الإنسان، ويخرجنا من ضغط قوانين الطبيعية إلى الجنون الإلهي حيث الصفعة تصبح بابا جديدا لعالم أكثر تجلياً.

يساعدنا ديستوفسكي لا لنفهم أنفسنا فقط بل لنفهم أن الإنسان، كل إنسان، يمر بصراع داخلي مرير، ونحن خاصة المؤتمنون على الخلاص يجب أن نفهم (من نخلص؟) عبّر ديستويفسكي و(كيف نخلص؟) عبر السلمي، فكل إنسان كائن فريد ولكل فرادة بشرية دوائها ودائها وظلماتها وإشراقاتها وشوقها وأهوائها، فيقول السلمي “إن الطعام ذاته أحيانا ما يثير شهوة البعض وأحيانا أخرى ما يولد اشمئزاز للبعض الآخر، يجب الانتباه إلى أوان ومكان ونوعية وكمية ما نبذره في من أتوا لقبول الزرع(3).

إن الذي صعد مع يوحنا بدون أن يفهم كنه الطبيعة البشرية ومآزقها اليومية وأسئلتها يصل إلى قمة جبل يظن نفسه: قد حَلّقَ، ولكنه مازال على تراب الأرض، بينما الذي فهم تماما الطبيعية البشرية عندها يحلق في عالم الأرواح بكل حرية كنسر، لأنه أدرك طبيعته فشفاها وغاص فيها فأدرك معناها، وأدرك المأساة البشرية في القلب، فعرف أين يضع السلم على أي عمق وبأي اتجاه، وعندها يصير أبا روحيا وطبيبا شافيا لأبنائه، عالم بنفوس كل واحد منهم وما يختلج بقلوبهم، فالطبيب الذي يعطي كل مرضاه نفس الدواء يصير مجرماً.

في النهاية لا يمكن أن يتجلى الإنسان في عالم الروح ما لم يغرق في عالم النفس، فالتحليق في عالم السلمي أوله غوص في عالم ديستويفسكي ونهايته إشراقات بالله، والجواب المفقود عند ديستويفسكي تبلغه عند السلمي، وما تريد أن تشفيه عند السلمي تكشفه عند ديستويفسكي.

يحتاج الصاعد على السلم أن يحمل الأدب الإنساني زادا، فمن لم يتخلق بالأدب لا يتحقق بالروح، الأدب الإنساني هو البصر والبصر نظر العقل، والأدب الروحي هو البصيرة والبصيرة نظر القلب، والعلم الإنساني هو إدراك النفس البشرية وصورتها كما هي عليه وبما هي فيه بذاتها، والأدب الروحي هو إدراك النفس ومثالها كما هي بالله وبما تصير فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة: لا أحصر الأدب في ديستويفسكي ولا التعاليم الروحية بالسلمي، أخذتهما كنموذجين، بينما الإنسان يجب يخوض غمار التجول وتذوق كل الأدب والشعر والفن والجمال والموسيقا التي ابدعها الإنسان.

المراجع

1. جبل الصمت (بحث في الروحانية الأرثوذكسية)، كرياكوس مركيذيس، نقله إلى العربية دينا فام أنطونيوس، منشورات دير رقاد والدة الإله-حمطورة، 2013، صــ383-384.

2. مقالة “أدب دوستويفسكي.. هوامش على الألم والغضب والغربة”، رفيدة طه، 27/1/2017، موقع الجزيرة.

3. يوحنا السلمي السينائي، سلم السماء، دير الشفيعة الحارة الحرش بدبا، 2011، صــ418-419