المعمدان المزعج

الأب لعازر عبود

أقف حائرا أمام المعمدان ذاك الغريب في سلوكه، إن قرأت سلوكه من خلال تفكير البعض اليوم، فأسال ماذا انتفع يوحنا عندما قال لهيرودس الظالم: “لا يحل لك” (بالعامية: شو إجاه غير وجع الراس، بل قطع الراس) حيث فعلا يوحنا لم يغير من قرار هيرودس ولم يغير من سلوكه فبقي كما هو معوج السلوك، ماذا انتفع المعمدان من تحدي الملك، فالسلطة بيد هيرودس الظالم والقوة بيده، فماذا سييغير المعمدان الصعلوك امام ذاك العاتي الذي تسنده كل قوة الأرض، ماذا حصد يوحنا المعمدان غير قطع رأسه في النهاية؟ ماهي فائدة يوحنا المرجوة من إعلاء صوته؟ هل سيغير الواقع أم سيعدل هيرودس عن شره؟

ألم يكن بمقدوره ان يساير؟ ويكتفي بالصلاة والله يصلح وينتقم؟ ألم يكن بمقدوره ان يعتكف في مغارة ويبقى ناسكا مصليا صائما متزهدا فبعدما عمد المسيح فليعد للبرية، يصلي للظالمين لكي ينتقم الله منهم او يصلح حالهم، فتصلح حال الرعية ويصلي للرعية ، والملفت أنه واجه هيرودس ويسوع يصنع العجائب أي الله على الأرض متجسدا كان قادرا ان يقول إن يسوع يعمل، فلماذا أتكلم انا؟

ما أراد فعله يوحنا ليس لأن في أرادته تغيير الواقع وتغيير المجتمع والسلطة، إنما لأنه رجل لله لأن الله وضع في فمه سفرا ليعلن مشيئته ليعلن كلمته وإن لم تسمع لذلك سمي صوت صارخ في البرية (وبالعامية يلي بصرخ بلبرية محدا بيسمعوا)  لكنه بقي رجل لله يعلن عدالته.

 نحن امام واقع يجعلنا لا نعرف الموازنة بين الانسحاب من الواقع إلى الصلاة، والانسحاب من الصلاة إلى الواقع، “لكل شيء زمان ولكل امر تحت السماء وقت”(جا1:3)، الصلاة وحدها لا تكفي لإيقاف لا الظلم ولا من كسر قانون الله، إن المصلي إنما يصلي ليأخذ قوة الله في وجه ظلم العالم وفساده، الانسان يصلي ليقرأ الأحداث بعيني الله ليتمكن من أن يَرُدَّ كل ما هوي زمني وبشري إلى ما هو لله، الصلاة هي القاعدة ولكن العمل ضرورة ألم يقل بولس الرسول إنما نحن عاملون مع الله، لو كانت الصلاة وحدها المنفعة فلماذا لم يصلي إيليا لينزل نارا من السماء لتحرق ايزابيل وزوجها، وهو بمقدروه ذلك، لماذا موسى لم يصلي فقط فينقذ شعبه، لا يسعني لذكر الاف الأمثلة فتاريخ الكنيسة مليء بمن واجهة الهراطقة والاباطرة والمجامع اللصوصية، ليس بالصلاة فقط انما بالعمل وجها لوجه، لماذا لا نصلي فقط بدل ان نذهب ونزور المرضى والقياس كثير، لماذا لانصلي للازواج في مخادعنا وهم في مخادعهم وكفانا؟؟ لأننا نحن عاملون مع الله كما يقول بولس الرسول

كل مسيحي(علماني أو إكليريكي) مدعو لوجه المعمدان ليس لإننا نشابهه بطاعته وبره، بل لأن الله مازال في هذا الوجود موجوداً، ومازالت كلمته تبحث عن من يعلنها، يقال ليس كل إنسان نبي، بلا كل مسيحي تعمد مُسح نبياً، والمسيحي دوره أن يعلي صوت الله ويعلن حقوق الله في عدالة البشر، النبوة ليست حالة فردية بل هي موهبة عامة، وهي القوة المعطاة للمسيحي ليميز مشيئة الله وينقل مشيئته إلى العالم، فإن لم يوجد من ينقل صوت الله “فإن القلق والعنف سيملكان أبدا إذا اختنق صوت المشجوبين في غياب العدالة” كما يقول البطريرك اغناطيوس الرابع، مدعوون لنرفع صوتا صارخا في غياب العدالة في أيّ مجتمع كان، كنسي او مدني.

يقول المطران بولس يازجي من يجرأ على الحب الذي يمكن أن يصادمه مع أقوياء هذا الدهر؟ المسيحي هو الذي أحب مشيئة الله فوق كل شيء، وهو الذي يصنع في الأرض بلبال وضجيج إلهياً، فالنبوءة لها صوت مزعج.

يقول البطريرك اغناطيوس هزيم:

كونوا مزعجين ويوم تصبحون مرغوبا بكم فالويل لكم.

كونوا مزعجين عليكم أن تقلقوا ضمائر سادرة وتوقظوا ضمائر نائمة.

عليكم ان تقولوا لآذان أصيبت بصمم: إن هناك صوت ينادي.

عليكم أن تزحزحوا كيانات يجب أن تخضع لرحمة الله ونعمته.