الغاية لا تبررها الوسيلة (أهل الطريق)

الأب لعازر عبود

إن حياة الإنسان كلها غاية ومعنى، ويشترك البشر جميعا بأن غاياتهم واحدة على تنوعها، السلام والأمان والخلود والرفاهية والثروة والسلطة والمجد والخ، وكل المؤسسات والدول والأحزاب لها نفس الأهداف، ولكن الاختلاف يكمن بين البشر كأفراد، وبين الدول والمؤسسات والكنيسة كجماعات، بالطرائق والوسائل لنيل الغايات.

 وفي المسير نحو هذه الغايات تطرح عديد من الأسئلة، هل تبرر الغايات المُثلى الوسائل؟ هل الطريق تصبح صالحة بصلاح غاياتها؟ هل تستوي الطرق لنفس الغاية (أيصح المثل القائل: كل الدروب بتودي عطاحون)؟ إذا كانت تستوي الطرائق والوسائل فلماذا القيم؟

يتجلى الجواب بطرح هذه الأسئلة والكثير على قياسها ولكن نكتفي ببعضها:

1.    لماذا طرد الله الإنسان الأول من الفردوس رغم غاية الله تأليه الإنسان وغاية الإنسان تأليه نفسه؟

2.    لماذا يرفض كثرة من المتدينين الزواج المدني ويقبلون الزواج الكنسي رغم أن الهدف واحد، الزواج؟

3.    لماذا تختلف الطوائف المسيحية والأديان بين بعضها؟ هل باختلاف غاياتها (الطوائف المسيحية غايتها المسيح) أو باختلاف طرقها (أرثوذكسية كاثوليكية لوثرية بروتستانت)؟ والمسيحيون يرون أن المسيح هو الطريق إلى لله، والمسلمون يرون القرآن طريق إلى الله

4.    لماذا يعتبر اليوم مطران الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة في أوكرانيا غير قانوني؟ لأنه لم يأتي بتسلسل رسولي سليم

الجواب الواحد لكل الأسئلة: بسبب اختلاف الطرق وليس الغاية.

بعد هذه الأسئلة، لنعرض حدثين من الإنجيل: الأول في مثل وليمة الملك (مت1:22-14) “قَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ، حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ” …هنا تمام الوضوح أن الجوهر عند يسوع الطريق حيث عاقب على الكيفية.

 الثاني: عند بولس الرسول.”(أع16:16-18) ” جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ اسْتَقْبَلَتْنَا…، قَائِلَةً: «هؤُلاَءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاَصِ .. فَضَجِرَ بُولُسُ .. «أَنَا آمُرُكَ .. أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا!».

لماذا خرّسها بولس طالما الغاية محققة وتنادي باسم يسوع والغاية البشارة بيسوع؟ يقول المطران بولس يازجي: الشيطان يبرر بالغاية الوسيلة…كانت تود أن تقترب من الرسل لتنال من بشارتهم فيما بعد غاية إيجابية لها،……حسنا، السؤال الأعمق: ما المانع من تحقيق غاية إيجابية بوسائل تعتبر سلبية؟ مثل تحقيق السلام بالحروب، والأمان بالرصاص؟ يجيب المطران بولس أيضا: إن ربنا لم يطلب تحقيق خير الإنسان أي إرادته الإلهية على حساب الإنسان إن الله يدبر الأمور بوسائط سليمة، …نعم لتسقط البشارة باسم يسوع إن كانت من فم الشيطان…فلا تعود الغاية شريفة حين يكون ثمنها رخيص وشرير(1).

لم يأتي المسيح ليضع لنا غايات وأهداف كانت جليّة في الفكر البشري، فالتأله التكويني هدف الإنسان حققه عبر سبيل صليبي بعدما رفض سبيل الثمرة وبرج بابل، جاء ليعلمنا كيف ننال غاياتنا وكيف نحقق أهدافنا، فمعيار صفاء نية الإنسان تكشفها طرقه لبلوغها، يقول يسوع عن نفسه: أنا الطريق (يو 14: 6) “وأنا الباب”، ودعي المسيحيين في البداية أهل الطريق ” أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ” (أع 9: 2)، ” وَاضْطَهَدْتُ هذَا الطَّرِيقَ “(أع4:22)، إذا أضاع أهل الطريق القيم فكيف يسلك التائهون؟

 المسيح لم يعلم ماهيات بل كيفيات، الحياة غاية والإنجيل طريق، وتكمن عظمة المسيح وكل قيمة بكرازته بالطريق التي انتهجها ليحقق الخلاص وكيف سلك وكيف دبر وتدبر، عظمة المسيح أن إله السبل لا إله غايات “أنا الطريق”، عظمة المسيح بالطريق التي انتهجها ليخلص الإنسان وهو القادر على خلاصه بكلمة من فمه، عظمة المسيح بالسبيل الذي شقه مع بني البشر وهو الإله القادر بكلمة أن يقلب الموازين.

المسيحيون أهل الطَّرِيقَ ووسائل وكيفية وقيم وليسوا أهل غايات، فإذا أهل الطَّرِيقَ أعوّج طريقهم، وفسدت قيمهم فبماذا نبشر؟ نريد الكنيسة شاهدة، إن معاير عظمة الغاية بعظمة مسلكها، فهل يستوي الطبيب الناجح بجهد والناجح بماله؟ هل كلمة (مستحق) لشماس أو كاهن أو مطران تقال له لأنه تولى أم لأن سبله استقامت فتولى؟  يقول المطران جورج خضر “لا يكفي أن يكون عزيزاً ليبقى يجب أن يجسم قيماً تبرر بقائه” (2).

 كيف يمكن اليوم أن نبني مجتمع نحن فيه نخالف القيم لتحقيق غايات ولو كانت الغاية البشرى بالمسيح، فالقيمة في الأصول وليس الوصول، وصحة الوصول في أتباع الشرع حيث سلك، من لا يطيع الطريق لا ينال الغايات، يقول البطريرك أثيناغوراس “يستمد الرئيس قوته من احساسه بمسؤوليته، انه يُحي شركة الجميع، سلطته مرتبطة بمقدرته على عيش الانقلاب الإنجيلي للقيم “من أراد أن يكون فيكم أولا فليصر أخيرا وخادما للكل”.

إن الفشل في الثبات في الطرق هو تأكيد لقاعدة نيكولو مياكافيلي (المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي في القرن السادس عشر) الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت الوسيلة ونتائجها، حيث يرتكز كل سياسي ديكتاتوري وكل نظام حكم قيمه في سيادته على هذه القاعدة، حيث يضعها نصب عينه ويتبناها لتبرر له الاستبداد وممارسة الطغيان والفساد الأخلاقي.

يجب اليوم علينا نحن ” أُنَاس هذَا الطَّرِيقَ “(أع4:22) أن نصنع” سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً”(مت3:3)، وأن نضع سلوكنا الكنسي تحت مجهر ضوء الإنجيل ونقوم بفحص سبلنا حسب المعيار الأرثوذكسي، والأرثوذكسية تعني استقامة الرأي والرأي لا يعني معلومات (عن) إنما الموقف في الحياة أي القيم، وبالتالي فالاستقامة هي استقامة سلوك ” مُفَصِّلًا كَلِمَةَ ٱلْحَقِّ بِٱلِٱسْتِقَامَةِ” (تي2 ٢:‏١٥).

 وأن نعرف الحق فيما نسلك لا فيما نبلغ، المسيحي الأرثوذكسي يُعرف مَن هو مِن قيّمه، من حياته المستقيمة والقويمة، يقول ماندزريذيس “لم يظهر التعليم الخلقي والعقائدي منفصلين أحدهما عن الآخر بل كانا ملتصقين ومتحدين عضويا”(4) يجب أن ندرك اليوم أنفسنا ككنيسة وكمسيحين، أي إنسان نريد أن نبني؟ هل إنسان الغايات؟ أم إنسان أهل الطريق بمقتضى “أنا هو الطريق والحق والحياة”؟

     الخلاصة بما يقول المطران جورج خضر: “عند خيانة المسيحيين جنت قيم العدالة والحرية والكرامة لكونها اختنقت فهربت من منبت زرعت فيه إلى مشاتل البربر ليرعوها، فرعوها ما استطاعوا دون إله”. ثم .”إذا كان حماة القيم يدوسونها بأرجلهم فمن يصدق البشرى؟”

المراجع

1.    1.  المتروبوليت بولس يازجي، برج وجسد، الجزء الثاني، عظة أتبرر الغاية الوسيلة؟، ص 142، منشورات دير البشارة، حلب، 2006.
2.    المطران جورج خضر، حديث الأحد، لبنان والعالم، الجزء الرابع، منشورات النور، ص21.
3.    حوار مع البطريرك أثيناغوراس، أوليفييه كليمان، وجوه أرثوذكسية معاصرة5، تعريب ديمتري كوتيا، تعاونية النور الارثوذكسية لنشر والتوزيع، 226.
4.    علم اجتماع المسيحية، جورج ي ماندزريذيس، ترجمة الاب يوحنا موسى بدور، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي، البلمند، ص161.
5.    جورج توفيق غندور، كتاب أنطاكيا والقانون، مدخل إلى القوانين الأنطاكية وتطبيقها في القرن العشرين، تعاونية النور الأرثوذكسية، مطبعة الينبوع، 2009.
6.    كتاب الأمير لميكافيلي، ترجمة أكرم مؤمن، مكتبة ابن سينا، مصر الجديدة، القاهرة، 2004.