الأخوة الأعداء (أسبوع الصلاة من أجل الوحدة)الجزء الثالث

الجزء الثالث، الخاتمة: إلى رؤساء الكنائس والطوائف.

الأب لعازر عبود

          في هذه اللحظة من حياة المسيحيين، وأكثر من أي لحظة سابقة، هناك حاجة لأخذ قرارات مصيرية معاً، ويقع على عاتق هذا الجيل من القيادات الدينية ورؤساء الكنائس مسؤولية تاريخية في اتخاذ مواقف حازمة، قد يتوقف عليها مصيرنا لعقود وأجيال، وقد يتوقف عليها بقاءنا على الإطلاق في سوريا ولبنان، فلا نعرف جيلاً مسيحياً مدعو لأخذ قرارات حاسمة كهذا الجيل من المسيحيين وقياداتهم من مطارنة وبطاركة، فنحن بحاجة لمعمودية نار بدون الخوف على الجُبب، فالله أراد لنا أن نحمل اليوم مسؤولية الواقع الجديد وأن نعمل على إيجادخ.

          إننا بحاجة إلى الوحدة والاتحاد، على صعيد الجغرافية والتاريخ “الآن وهنا”، لوحدة الهم والمستقبل والعمل المشترك، فمستقبل الشرق فارغ من المسيحيين، وللأسف نعول في بقائنا وحمايتنا على دول مثل فرنسا كما يعتقد موارنة لبنان أنها أمهم الحنون أو روسيا حامية الروم أو على أنظمة حاكمة عبثت فينا لمصالحها، ولكن الدول الكبرى لا تحمي أبداً الضعفاء المنقسمين، فاليهود لم يتلقوا الحماية كونهم تعرضوا لاضطهاد أو لأنهم الطفل المدلل لأحد، بل أثبتوا وجودهم وبرهنوا للعالم أنهم قادرون على تنفيذ إرادتهم، وأثبتوا قدرتهم على خلق واقع يفرضون فيه وجودهم، واستطاعوا أن يبنوا لأنفسهم تاريخ وثقافة ودولة ومؤسسات، عندئذ استحقوا فعلا كل هذا الكم من الدعم والحماية، وحصدوا بجدارة نتيجة عملهم.

          إن الدول الكبرى تهتم بمصالحها لا بصالحنا، وبإثبات وجودها لا بتثبيت وجودنا، لذلك الضعيف يخرج من التاريخ والجغرافية، فالسياسة لا ترحم المتواني ولا الجماعات المنقسمة، وهذا تماما هو المسار الفرنسي الذي كان واضح بحديث البطريرك الراعي والرئيس الفرنسي ماكرون: «مصلحتنا تقتضي التعامل مع من لديه القدرة؛ حسّنوا قدراتكم، وحينها يكون لكل حادث حديث(1).

          إن بقاء شعب ما وثبات وجوده يتوقف على قوته(ولا أعني مطلقاً قوة الرصاص) لتحقيق ذاته، لا على المقدرة بالمماحكات الشرعية، فالخطابات والمؤتمرات والتغني بالأمجاد والتغني أننا أصل الشرق وأساسه وأرز لبنان وزيتون سوريا وسكانه منذ ألفي عام، كلام شعري لا قيمة له في تقرير شكل التاريخ والديمغرافية، وهذا ما أكده الدكتور شارل مالك قبل نصف قرن: أن التاريخ تقرره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية(2)، والخوف أن ينطبق علينا القول الإنجيلي “لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ.” (متى 25: 29).

          ألم يحن الوقت لنتعاون معاً ونضع يداً بيد لإنقاذ ما بقي أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ألم يحن الوقت لنتحول عن التغني بالمحبة والتضحية والبذل المسيحية، إلى لنترجمها على الأرض ونجسدها عملاً معاً، ألم يحن الوقت للخروج من الصراع على الأولوية والاعتبارات والرئاسة ومن هو الأصل والفصل، ومن وريث بطرس وبولس، ألم يحن الوقت للنزول عن شجرة العظمة المسيحية ليَصدُق قول يسوع فينا أننا ملح الأرض؟ صرنا مهزلة بين الشعوب وأضحوكة، انقسامات وصراعات داخلية. يقول المعلم ” وَإِنِ انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَقْدِرُ ذلِكَ الْبَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ… بَلْ يَكُونُ لَهُ انْقِضَاءٌ”. (مر 3: 25-26).

          علينا جميعا كقيادات ورؤساء طوائف ومؤمنين أن نتوب لبعضنا، وننفض عن ذواتنا بعزم المسيح كل مصلحة ضيّقة وأنانية، ونعمل لأجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة، فإذا لم تأخذ القيادات في هذا الجيل قراراً صادقاً بالعمل معاً وتكريس كل الجهود الإعلامية والثقافية والسياسية بدلاً من التغني بالصلاة لأجل الوحدة البعيدة، وأن أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة، ونكف عن هروبنا من المشاكل الحقيقة والتعامي عن أماكن الخلل وبقائنا في القشور والسطحيات، ونكف أن نظهر ذواتنا كحجر زاوية:

           أقول إذا بقي الحال هكذا بين المسيحيين، فإني أجزم لن يبقى سوى قلة من المطارنة مع عكاكيزهم في أبرشيات خالية خاوية بعد عقدين لا أكثر، وسيكون لدينا ألف ديار بكر جديدة، فها إننا في سوريا كلنا معاً يكاد تعدادنا 500 ألف، ولبنان ليس ببعيد عن هذا الحال، والعراق سبقنا، وفي هذه الحالة، أؤكد لن يحزن علينا أحد ولا على هجرتنا وتهجيرنا بل سيحل الآخر مكاننا ويملئ فراغاً تركناه، فلا أحد يهتم لأمرنا، وسيكون قول الجميع: ليرث من بقي الأرض وما عليها، “فالباقي خير مِن مَن رحل”، الهمّ الوحيد للدول الكبرى حماية اليهود فقط، ومن لا يرى ذلك ما زال أعمى وجاهل.

          أما سر تقوية الموقف والوجود المسيحي، فهما أمرين:

          أولاً: بالانتقال من اتكالية على قوى خارجية وعلى عوامل طائفية وأقلوية والتحالف مع قوة سياسيّة، والتغني بالأصول وأننا مصدر الاعتدال وصنّاع الحضارة، ومن حالة المظلومية والمُضطهدية الباكية، وإلقاء اللوم على الآخرين بضعفنا وهشاشتنا، ونحن نعيش بخصام وتفسخ وإضعاف لبعضنا البعض، إلى اتخاذ إجراءات عقلية وعلمية وعملية ورسم خارطة طريق لبناء دولة مواطنة، فمبررنا  الأخير كمسيحيين أمام ذواتنا وأمام الضمير العربي والعالمي وأمام المسيح نفسه معلمنا أجميعن، هو أمانتنا للحق والعدل وللحرية العقلية والروحية والوجودية، وأمانتنا لأخوتنا المسلمين، وللشهادة الإنجيلية التي ترفع الإنسان فوق كل اعتبار، ونلملم ما تبقى من وحدتنا ومهابتنا وكرامتنا.

          والسر الثاني: بالانتقال إلى التعاون بحق مع أخوتنا المسلمين، فمصيرنا معهم واحد ولا يمكن أن نفعل شيء بدونهم، ومشاكلنا واحدة بالفقر والظلم والتهجير واللا عدالة، فقد اتحد مصير المسيحيين والمسلمين منذ الحروب الصليبية، يجب أن نعي هذه الحقيقة، وندركها، إن خلاصنا الوطني كمسيحيين مرتبط ولصيق بخلاص المسلمين الوطني، ومشكلتنا كأقليات هي مشاكلهم كأكثرية.

          يجب أن تنزل كل القيادات عن عروشها لترى الواقع وتحمي المستقبل، فالخيار الآن لنا بأن نكون معاً لنساهم بإنقاذ ما تبقى، ونعيد الأصالة لوجودنا، وخلق وطن يحترم حقوق الإنسان ونساهم ببناء مجتمع تسود فيه العدالة والمساواة والحرية، وبغير ذلك، نكون قد حكمنا على أنفسنا، وبالتالي على المسيحية بالهجرة الروحية والجغرافيّة وبالاكتفاء بالوجود الرمزي في الشرق،

وعندئذ السّلام….

مراجع:

1.    الكاتب غسان سعود، مقالة “مصارحة شاملة مع القوى المسيحية: إستيقظوا!”، جريدة الأخبار

2.    شارل مالك، إسرائيل وأميركا والعرب (تقرير في الوضع الحاضر 5آب1949)، دار النهار.