لعازر عبود
لقد فَصَل المجمع المسكوني الأول الفصح المسيحي عن الفصح اليهودي فصلاً تاماً وحررنا من اتباع تقويمهم، واتبع روما والاسكندرية بعادة الفصح فأعلن المجمع المسكوني الأول التالي:
“تعلن لكم البشارة السارة عن الاتفاق المختص بالفصح المقدس فإن هذه القضية قد سويت بالصواب بحيث أن كل الأخوة الذين كانوا في الشرق يعيدون الفصح مع اليهود، صاروا من الآن وصاعداً يعيدون الفصح، العيد الأجل الأقدس، في الوقت نفسه كما تعيده كنيسة روما، وكما تعيدونه أنتم وجميع من كانوا يعيدونه هكذا منذ البداية”(1)
ومما قاله الامبراطور قسطنطين(القديس): أعلن أنه لا يناسب على الإطلاق، وخاصة هذا العيد الأقدس من كل الأعياد أن نتبع تقليد أو حساب اليهود …لذلك لا يجب أن يكون لنا ما نشارك به اليهود”(2)
واتبعت كل الكنائس منذ ذلك الحين القاعدة التي تعيد عليها روما والاسكندرية، والقاعدة التي يحدد على أساسها الفصح هي التالية: ((يُنتظر اكتمال القمر، أي أن يصبح بدرًا، بعد الاعتدال الربيعي في 21 آذار/مارس. فيَكُون أوَّل أحد بعد اكتمال القمر، هو أحد عيد الفصح. وعليه، هناك 3 ركائز لهذه القاعدة: الاعتدال الربيعي، وأوّل بدْر بعده، والأحد التالي للبدْر)).
فالمبدأ الذي بنى عليه توحيد العيد ليس عقائدي ولا يتبع تقليد الرسل، حيث الرسل أنفسهم كانوا مقسومين لتقليدين:
الأول حسب القديس يوحنا اللاهوتي: تقليد أول يعيد في الرابع عشر من نيسان(مع اليهود) في أي يوم وقع من أيام الاسبوع وإن وقع ثلاثاء أو اثنين. وكان يعيد في يوم موت الرب على الصليب تذكار موت وآلام وقيامة الرب، أي القيامة والصلب في نفس اليوم.
والثاني: حسب تعاليم بطرس بولس هامتي الرسل والذي اتبعته الكنائس مثل روما، فكان تعيد يوم الأحد للقيامة والجمعة للصلب (راجع أسد رستم، ج1، ص81-85).
فالقاعدة لم تأتي من مبدأ لا لاهوتي ولا عقائدي بل المبدأ التالي “أن عيد الفصح الجزيل القداسة يجب أن يحتفل به في كل مكان في اليوم الواحد بعينه، ولا يليق أن نختلف بالرأي في شيء مقدس”(3) فالقواعد الثلاثة التي يمكن فهمها من المرسوم(4) هي
1. يجب أن تعيد الكنيسة بأكملها لعيد خلاص العالم بقيامة المخلص في نفس اليوم.
2. يجب أن لا تتبع الكنيسة الحساب اليهودي بل أن يكون لها حسابها الخاص.
3. يجب اتباع العوائد في كل من روما ومصر واليونان.
والاختلاف الحاصل أيضا لا يعود لسبب عقائدي ولا لاهوتي ولم يخالف الغرب ولا الشرق قاعدة المجمع المسكوني، والاختلاف يعود إلى القرن الخامس عشر، حيث اُكتشف أن التقويم اليولياني ليس دقيقًا تمامًا ومتأخر13 يوماً؛ إذ اكتشف الفلكيُّون خطأ التقويم أيام البابا غريغوريوس سنة 1582، وقرر البابا غريغوريوس إصلاح التقويم وسمي باسمه التقويم الغريغوري، واعتماد هذا التقويم أثر على نتيجة القاعدة، فعندما يأتي يوم 21 اذار في التقويم الغريغوري يكون 8 آذار في التقويم اليولياني الذي نعتمده كأرثوذكس.
لم يخالف الغربيون قاعدة المجمع المسكوني كما يدّعي البعض للاسف مدعين أننا نحن فقط الذين حافظنا على قانون المجمع(راجع مقالة جورج غندور)، فلم يفرض المجمع المسكوني اتباع التقويم اليولياني دون سواه وألا نتبع ما هو أدق، بل فرض مبدأ توحيد العيد، ولم يخالفوا مبدأ المجمع المسكوني الأول، وايضا نحن لم نخالفه، نحن كلانا كأرثوذكس وكاثوليك نتيجتانا صحيحتان، ولكن أيضا كلانا على خطأ لأننا خالفنا معنا القاعدة الذهبية التي اتبعها المجمع لتحديد الفصح، وهو أن يقام العيد في يوم واحد في كل الكون، نحن معا خالفنا قانون المجمع.
أما عدم اتخاذ قرار بالتعييد معاً، فهو سياسي أكثر منه كنسي أو لا هوتي، فمثلا الموارنة في لبنان لا يريدون التعييد مع الشرقيين لأنهم يرون أنفسهم تابعين للغرب هوياتيا، وقرر بطريرك السريان الكاثوليك أن يعيد شعبه في حمص رغم كونهم قلة عددية مع أخوتهم في الغرب وتركوا أخوتهم وجيرانهم في الحارة، ودعا السفير البابوي في سوريا الكاردينال ماريو زيناري … وذكّر من مطرانية السريان الكاثوليك بدعوة البابا فرنسيس أساقفة الشرق إلى ترسيخ الوحدة بين الكنائس ولو اقتضى الأمر اتباع التقويم الشرقي. (ما منعيد معن، يلي بدو يجي لعنا أهلا وسهلا)، كبريائنا ضحى بالمسيح.
أن المبدأ ليس عقائدي ولا هو لاهوتي وليس كما يشاع ويعلم بشكل مغلوط( باعتراف القيادات الكنسية الارثوذكسية والسريانية) ( 8 ) لا “بل أن الكنيسة الأرثوذكسية تقبل بتاريخ ثابت للعيد”(9)، المبدأ أن يقام العيد معا، فقد تم مخالفة المبدأ، وأن القيادات الكنسية كلها شرقية وغربية خاصة في الشرق تتحمل هذه المسؤولية كاملة، وربما الحل لن يأتي من فوق بل من الشعب يقول المطران جورج خضر “يقيني الان أن العامة قد تكون أقرب إلى الواقع الروحي من معشر العارفين إذا هي ألحت بضرورة تقرير يوم واحد للقيامة”(10)، نحن نحيا في منطقة تريد أن تتنفس المسيح بصدق وأمانة، تريد أن لا ترى ذاتها مقسمة فقد تعب المؤمنون، وصار زمانيّ العيد حجرة عثرة، وبل تسخر الشعوب الأخرى من الرب بسببنا، إن على شعوبنا أن تقول كلمتها كلمة نبوية بوجه كل كبرياء النحن إذا كان لدينا رغبة صادقة لخلاص العالم والبشارة باسم المسيح يسوع.
……………………………………………………………
المراجع
1. مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، جمع وترجمة وتنسيق الاشمندريت حنانيا الياس كساب، منشورات النور، 1989، صــ114.
2. المرجع السابق مجموعة الشرع الكنسي، ص 115.
3. المرجع السابق(مجموعة الشرع الكنسي )، ص116
4. المجمع المسكوني الأول نيقيا الأول(325)، الأب ميشيل أبرص والأب انطوان عرب، تاريخ المجامع المسكونية الكبرى 2، المكتبة البوليسية، طبعة أولى، 1997، صــ161-162
5. مقال: الفصح بين تقويمين، روجيه أصفر، موقع تعددية، بتاريخ الثلاثاء م ٢٠٢٤/٠٤/٢
6. مقالة بحث في تأريخ الفصح، الأب توما بيطار، موقع عائلة الثالوث الأقدس.
7. الدكتور اسد رستم مؤرخ الكرسي الأنطاكي، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى، ، الجزء الأول34-634م، دكتور اسد رستم 20، منشورات المكتبة البوليسية، طبعة اولى 1988
8. أ.المنشور البطريركي الذي أصدره قداسة سيدنا البطريرك مار اغناطيوس أفرام الثاني بخصوص تغيير موعد عيد الفصح: 404/.2021
ب.مقال: مبادرة لتوحيد عيد الفصح في ٢٠٢٥، جورج توفيق غندور، جريدة الوطن، منشور في تاريخ: 30 نيسان .2021.
ج. مقال : آرام الأول التقى البابا، منشور في جريدة النهار بتاريخ 05-04-2018
9. جورج توفيق غندور، الطريق إلى المجمع الارثوذكسي الكبير، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق، الطبعة الاولى، حزيران2015، ص43.
10. حديث الاحد، الدين والاديان(٢)، المطران جورج خضر، ص١٩٧