اعتذار البابا توبة عن العصمة

“أطلب المغفرة، ولا سيّما للطرق التي تعاون بها العدِيد من أعضاء الكنيسة والجماعات الرهبانية، وأيضاً اللامبالاة التي أظهروها، في تلك المشاريع المدمّرة للثقافات وفي الاستيعاب القسري الذي لجأت إليه حكومات ذلك الوقت، والذي بلغ ذروته في نظام المدارس الداخلية الإجبارية”.

لم يكن اعتذار البابا فرنسيس للسكان الأصليين في كندا هو الأول فقد سبقه أسلافه، بعدما شق المجمع الفاتيكاني الثاني الطريق أمام القادة الدينيين لمراجعة تاريخ الجماعة وممارساتها عبر التاريخ في كل المجالات، وتصحيح الاخطاء، مشددًا: “وجب على رجال الكنيسة الحاليين اتخاذ خطوات نحو الإصلاح”

 فقد طبعت أخطاء السلطة الكنسية الكاثوليكية كأي سلطة دينية أخرى، التاريخ بخطايا واخطاء جمة وغيرت فيه، كونها سلطة ذو سيادة تعدت شعوبها، لتحدد مصائر شعوب وبلدان كثيرة، من محاكم التفتيش إلى الحروب الصليبية الى ارتكاب اعتداءات جنسية، والحروب مع البروتستانت، وتقليل من كرامة المرأة من جانب الكنيسة، وانتهاك حقوق الشعوب الأصلية في الامريكيتين، والفاجعة الكبرى أن هذه الأخطاء ساهمت في تكوين الذاكرة الجماعية للشعوب، وشكلت العلاقات بين المجتمعات عليها فيما بعد، ، صحيح ان التاريخ لا يمحى لكن هذا الاعتذار ليس للماضي إنما للمستقبل، لقد فهم الكاثوليك ثقل التاريخ الذي صنعته الجماعة قديما، فأردوا تأريخ المستقبل من جديد. فهمت الجماعة الكاثوليكية إنه لم يكن هناك عصمة، وكلما تمادت الجماعة الدينية أو أفرادها بالعصمة زادت اعتذاراتها. “قال بعض الإباء ان الكنيسة زانية ويغسلها المسيح بدمه ليجعلها عروسا لا دنس فيها، من اجل ذلك تعيش الكنيسة دائما من التوبة والشكر”(حوار مع البطريرك اثيناغوراس،ج1 ص 225)

ومن الملفت من زاوية أخرى إن هناك قيادات نافذة في الكنيسة لا تزال مصرة على انكار التاريخ الشنيع وترى حتى في الاعتذار الرمزي تنازلًا لا ضرورة له، هذا يدل بطريقة او بأخرى عن داء المؤسسة الدينية ورمي الأخطاء على أفراد لا على نهج الجماعة بحقبة زمنية ما.

النقطة الأولى: مواجهة التاريخ، ومواجهة مع العصمة البابوية

النقطة الثانية: اما نحن الأرثوذكس فماذا؟

النقطة الأولى: استطاعت القيادة الكاثوليكية ان تواجه التاريخ مواجهة حقيقية دقيقة بدون خوف، قبلت ان تعترف بأخطائها في حق الكثيرين، وأن تتصالح مع نفسها وأن تقبل تاريخها بدون الكبرياء البابوي وعصمته، قالت لنفسها لمن نكن معصومين، ثم صرخت “لقد أخطانا نحن نعتذر”، قالت علناً إننا رسمنا التاريخ بطريقة خاطئة، وتسببنا في جروح كثيرة، وها اننا نقدم توبة ونطلب الغفران، وبإعلان خطأها أرادت التوبة لشعبها لتستعيد بنيها، ومن الجميل هنا إن الكنيسة التي تنادي بالتوبة والاعتراف مارسته علناً.

عندما اعتذر البابا في بوليفيا في العام 2015 طلب الصفح عن الجرائم التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية تجاه السكان الأصليين وقت الحقبة الاستعمارية، امام هذا الاعتراف وطلب الصفح صرح الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس قائلا: “لأول مرة أشعر بأنه أصبح لديَّ بابا”.

اما في كندا وضع قادة الشعوب الأصلية فيما بعد غطاء رأس تقليدياً مصنوعاً من الريش على رأس البابا. بلغة شرقية ان تعطي إنسانا ما لباسك فأنت تجعله منك.

سيرى البعض إنها أمور صورية فقط، لكن من الصعب أن يكون التنازل عن كبرياء والعصمة صوريا، وهذا ما أكدته الحاكمة العامة في كندا ماري سيمون “من الصعب مواجهة تاريخنا الحقيقي”.

أما نحن فماذا؟

لقد استطاعت الكنيسة الكاثوليكية ان تسبق كل القادة الدينين بقراءة تاريخها، فنحن الأرثوذكس هل نقرأ دوما ان تاريخ الجماعة كان مليء بالأخطاء من التماهي مع السلطة إلى تمجيد الإمبراطور إلى كبح الحريات، وإلغاء دور الآخر والانشقاقات وحروبها والصراعات ….. وهل لدينا الرغبة يوم ان نحمل عبء تاريخ الجماعة وكأنه تاريخنا ونحن مسؤولون عنه، لماذا نرى فقط تاريخ القديسين إنه تاريخنا يقول البطريرك اثيناغوراس اكثر ما يفتقر إليه رجال الكنيسة هو روح المسيح، والتواضع، وإنكار الذات وقبول الآخر المجرد من المصلحة، والقدرة على رؤية الأفضل فيه، نحن نخاف ونريد التمسك بما هو بالي لأننا تعودناه، نسعى إلى ان نكون دوما على حق ضد الاخرين ونخفي، تعابير التواضع المقولبة، روح كبرياء وتسلط، ونحن نلعب على هامش الحياة(حوار مع البطريرك اثنياغوراس، ج1 ص212)   لذلك إن لم نجري عملية نقدية حقيقة لتاريخنا وسلوكنا نكون قد حكمنا على انفسنا وبالتالي على الارثوذكسية بالهجرة الروحية والجغرافية وبالاكتفاء بالوجود الرمزي.