لعازر عبود
يفتخر العديد منا نحن الأرثوذكس، أن النور ينبثق في القبر المقدس على يد بطريرك أورشليم دون سواه، وأن هناك محاولات عدة حدثت في التاريخ لم تفلح في إخراج النور، فيرى البعض بهذا العمل مناسبة لافتخار على الآخرين وإظهار عظمتنا إننا الكنيسة الأصلية الوحيدة، ولكن ما لا يريد البعض أن يعيره اهتماما لئلا يبطل الافتخار، هما أمران:
أولا أن من يخرج النور هو بطريرك أورشليم الذي هو بطريرك الروم الأرثوذكس، ويوجد بطريركين آخرين للاتين وللارمن الارثوذكس، ودخول بطريرك الروم الارثوذكس الى القبر المقدس يوم سبت النور يخضع لاتفاقيات ليس لنا فيها فضل بل أداة خزي، لأنه كما هو معروف الطوائف المسيحية تتنازع على ملكية الكنيسة ونشبت نزاعات ما زالت إل اليوم وقد ينشب نزاع لأجل تحريك كرسي 20سم، فقسمت الكنيسة بين الطوائف حسب اتفاقية الوضع الراهن (Status Quo) “فرمان عام 1852” للسلطان العثماني عبد المجيد الأول، …وحصل الفرمان على اعتراف دولي في المادة الـ9 من معاهدة باريس (1856). وبالتالي توجد قواعد صارمة ومعقدة حتى للانتقال ضمن الكنيسة، فمثلا “تؤدي كل من كنيسة الروم الأرثوذكس، واللاتين والأرمن خدمة الليتورجيا داخل القبر المقدس.أما خدمة صلاة فيض النور هي فقط لكنيسة الروم الأرثوذكس أما الأرمن فلهم إشتراك محدود وليس لهم الحق بالدخول إلى القبر المقدس ولكن فقط لهم الدخول إلى القسم الأول قبل باب القبر”
فالمخول الوحيد بإخراج النور المقدس هو كنيسة الروم الأرثوذكس وفق حقوق وقواعد منصوص عليها بين الطوائف، وبالتالي بطريرك الروم الأرثوذكس، هذا من ناحية قانونية أولية، وليس لنا فيه فضل.
وثانياً، التفاخر أن هناك محاولات عدة، ومنها حدث سنة 1879من قبل الأرمن، حيث قاموا بدفع مال للسلطان العثماني ومنع دخول البطريرك الارثوذكس، وتقول الراويةكما ترد على صفحة بطريركية أورشليم “قام بطريرك الروم الأرثوذكس ولفيف من الأساقفة … وجميع المؤمنين بصلاة فيض النور في خارج كنيسة القيامة…. رغم محاولات بطريرك الأرمن اليائسة، لم يُضئ النور المقدس…وبدلا من ذلك انشقّ العمود الأوسط من الناحية اليسرى لباب الكنيسة الرئيس وفاض النور منه”.
وهذا الحدث يجب يقرأ أن زاوية مختلفة كلياً، فهذا الأمر أبدا ليس لتفاخر بأنفسنا بل هو أمانة الله كما يقول بولس الرسول ” « فَحُسِبَ لَهُ(لله) بِرًّا».” (غل 3: 6) يُحسب لله أنه بار وليس لنا، فلو خرج النور المقدس على يد الأرمن أنذاك الذي أرادوا إخراج النور بمنطق الرشوة واستعمال قوة السلطة السياسية لكان الحدث بوصفه الدقيق (زنى)، وهذا يعني أن الله ليس آمين وليس باراً وحاشاه من هذه وتلك، لكن الله لا حدود لبره واستقامته وعدله(قانونيته)، وكما يسأل بولس “فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟” (رو 3: 3)، وليس لنا فيه فضل.
والله البار لا يبرر الوسيلة بالغاية، لو بررها لنبثق النور على يد الأرمن، ولكن الله ليس مثلنا حاشاه، فنحن نخالف القوانين كلها من أجل غاياتنا ونسلك طرق عوجاء لوصول لغاياتنا التافهة، وما أكثر ما خالفنا القوانين الإلهية والمجامع المسكونية والتقليد لأجل ما نهوى
وبالطرف المقابل لو خرج النور على يد من أراد إخراجه بالسلطة، سيكون إخراج النور ليس أكثر من سحر، ويمكن لأي إنسان مجرد أن يتلوا صلوات إخراج النور أن يخرجه، وتصبح صلواتنا شعوذة، معاذ الله.
للأسف صرنا الفريسين الجدد، بدل أن يكون هذا الحدث وهذه الخبرة مدعاة لتوبة أعمق، وأن ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا كمسيحيين أرثوذكس نحمل أمانة في جسد المسيح وكنيسته، ونحمل خبرة هذا الحدث العالمي، صرنا حجرة عثرة لأنفسنا قبل أن نكون للآخرين، وبدل أن نصير خدام على صورة المعلم الأعظم، فنخدم باقي أخوتنا من المسيحيين وغير المسيحين ونطيع قول يسوع،”«أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا»” (لو 9: 13). صرنا متعاليين متكبرين بما عندنا، ناسيين أن الله قادر أن يخرج من العامود نور لغير الأرثوذكس ولكل أخوتنا من البشر ونحرم نحن منه، والأمر الوحيد الذي يجب أن نفتخر فيه “َأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ.” (غل 6: 14).
……………………………………
المراجع
1. مقال “كنيسة القيامة – ست طوائف دينية متنازعة تحت قبة واحدة”،ميشائيل هولن باخ/ عبدالحي العلمي مراجعة:طارق أنكاي، منشور على DW ، تاريخ 2011/4/22 .
2. مقالة القبر المقدس، منشور على صفحة بطريركة أورشليم للروم الأرثوذكس، بدون تاريخ
3. مقال قصة “السلم الثابت” في كنيسة القيامة، منشورة على عربي بوست، تاريخ النشر: 2023/02/04
4. الدكتور يوسف حسين عمر، سياسية بريطانية تجاه الدولة العثمانية 1839-1909، جامعة الأقصى، غزة، دار نور للنشر ساربروكن، ألمانيا، الطبعة الثانية 2016.