نجاسة المرأة تبرير للإقصاء

(هل الرجل طاهر كل حين في الكهنوت؟ )

لعازر عبود

أثارت سيامة الشماسة في أفريقيا صخب واسع في الأوساط الأرثوذكسية فكانت هذه الخطوة الرهيبة مثل قنبلة فجرت كل الركود وزلزلزت الفكر الديني، لن أتحدث عن الشموسية، سوف أذهب لزاوية أخرى، فعند الحديث عن سبب منع سيامة النساء، يقدم البعض مبررات دينية(واقصد مبرارت أي ليس لاهوت هو فكر تبريري لا قيمة له تكون نتيجة العوامل الاجتماعية) وهذه المبررات ترتبط مباشرة بموضوع نجاسة وطهارة المرأة، وهذه الأمور لم تأتي من فكر المسيح، بل جاءت متأثرة بعوامل وثنية ويهودية وإسلامية، وكونت الفكر (الديني) المسيحي الحالي، هذه التبريرات مثل نجاسة المرأة والطمث والأربعين يوم بعد الولادة، وعدم دخولها إلى الهيكل هذا ما كان في العهد القديم، وكأن بولس لم يصرخ لا رجل ولا امراة بل الكل واحد بالمسيح.

بالعودة لتبريرات الدينية لنأخذ موضوع النجاسة، فالمرأة تعتبر نجسة بسب الدورة الشهرية، ولكن ماذا عن الرجل؟ هل الرجل طاهر؟ الرجل تماما كالمرأة يمر بحالات فيزيولوجية، ومنها ما يسمى الأحتلام الليلي (بالإنجليزية: Nocturnal Emission or Wet Dream) وهو الوصول للنشوة الجنسية أثناء النوم، أي القذف عند الذكور…ويكثر حدوث الأحلام الجنسية الليلية في فترة المراهقة وسنوات الشباب المبكرة ولكنه قد يحدث في أي وقت (1)، وتترافق مع أحلام جنسية تارة، وأخرى سيلان بشكل طبيعي بدون أي أحلام، وتحدث مع غير المتزوجين بشكل أكبر من المتزوجين، (راجع كتاب كيف نحيا مع الله، فصل الأحتلام وأسبابه المختلفة، الجزء الثاني، صـ251)

وفي حالة حدث هذا الاحتلام مع الكاهن يمنع من إقامة القداس الإلهي، فتنص القوانين على التالي: إذا كان الاحتلام نتيجة تخيلات شيطانية فعلى الكاهن أن يقوم باتمام هذه الخدمة(سأوردها لاحقاً)، ومن ثم يجوز له أن يقوم بخدمة القداس الإلهي( وكذلك العلماني يجوز له التناول)، وأما إذا كان الاحتلام نتيجة امتلاء من الشرب فلا يجوز للكاهن أن يخدم القداس الإلهي، كما يحتم القانون الرابع من قوانين ديونيسيوس وكما يقول القديس اثناسيوس في رسالته إلى أمون والقديس باسيليوس في مقالاته النسكية(2) .

ويحوي الأفخلوجي الكبير(صفحة 629) خدمة كاملة “يتلوها كاهن حدث معه احتلام” وتبدأ بتبارك الله ومزامير وتلاوة المجدلة الصغرى ودستور الأيمان والخ، وبعض ما يرد من عبارات في أفاشين الخدمة:

أفشين أول للمتوحد مرقس: ” أنت ايها الرب المحسن طهرني أنا أيضا المشغوف بحب الشهوة والخطيئة والمتندس بتخيلاتي في النوم ونقني من كل دنس جسدي وروحي، ولا تحسب لي هذا خطيئة سواء كنت قد تدنست في الاحتلام…حتى اذا ما انعتقت بمعونتك من جميع لذات الدغدغة ومن جميع ظلمات التخيلات الليلية الرهيبة”

أفشين ثاني لباسيليوس الكبير “..طهرني أنا عبدك الذليل من كل دنس جسدي وروحي ومن النجاسة التي حصلت الآن لي…وأوضحني بنعمة مسيحك نقياً من الدنس وقدسني …حتى اذا ما نجوت من ضباب أدناسي ومن التخيلات الشيطانية ومن كل دنس شيطاني”

افشين ثالث: “…اعطني يد المعونة انا الغارق في وهدة اللذات..وأنقذني من دنس بشرتي..وامنحني الشفاء والتطهير..فأنا عارف بضعف الطبيعة التي أنت جابلها…” ثم يركع خمسين ركعة وباقي الخدمة…

وهناك أفشين يقوله الكاهن قبل النوم لكي ينجو من الاحتلام، بعض عباراته” أيها الرب…طهرني أنا عبدك من كل دنس جسدي وروحي وأجعلني نقياً من الدنس، ..واصير أهلا للتقدم في الوقت الموافق لتناول اسرارك الطاهرة الرهيبة..

ويمنع مثلا من الخدمة في حالة ثانية مرتبطة الشهوة” إن الشماس إذا تدنس بشفتيه أو أقدم ليقبل امراة واعترف بخطيئته هذه يمنع من ممارسة خدمته وقتا ما، على انه يعد غير مستحق للشركة في القدسات…” (3)

وبينما توجد خدمة للكاهن بسبب الاحتلام المرتبط بالأحلام والشهوة وقد يمنع من خدمة القداس الإلهي وقتا ما، إن الخدمة تطهير المرأة مرتبطة بالولادة، فالفصول الثلاث الواردة في الأفخولجي الصغير هي : افشين لمرأة النفساء عند ولادتها، وعندما تَطرح الجنين، وأفشين دخول المرأة مع ولدها أول مرة.

إن نجاسة الكاهن كررجل التي تصيبه بسبب أحلام ليلية والشهوة الجنسية، تم معالجتها بخدمة تطهير يتلوها الكاهن لنفسه، أي وضع له باباً للتطهير، أو بالمنع من إقامة القداس للكاهن وقتا ما أو التناول للعلماني(الرجل)، ثم يعود، بينما الفكر الديني السائد اليوم، يعتبر المرأة فقط نجسة بسبب عادة طبيعية مرتبطة بالإنجاب، ويمنعها كلياً من الكهنوت، لماذا لم يتم إيجاد خدمة تطهير للمرأة والسماح لها بخدمة الكهنوت؟

والتبرير لو شاء المسيح رسلا نساء أو كهنة نساء لكانت والدته أول الكهنة، ما ينساه أصحاب هذا التبرير، إن والدة الإله(حواء المرأة الجديدة) حملت يسوع في رحمها تسعة أشهر أي المسيح جعل من مكان النجاسة في المرأة عرش للإله، فإذا المرأة حملته في رحمها ألا يمكن أن تحمل القربان على يديها؟ يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي “الرجال هم المشرّعون لقوانين ضدّ المرأة”، وكما قال الأب جورج مسوح “نرجو أن يرتقي الخطاب المشرقيّ المسيحيّ في شأن كهنوت المرأة وشرعيّته إلى مستوى أرقى من بعض المماحكات الهذيانيّة التي تأتينا من هنا وهناك. آن الآوان لخطاب كنسيّ يجيب على أسئلة مشروعة يطرحها مؤمنون مخلصون ليسوا منخرطين في مؤمرات ضدّ الكنيسة، وهذا يتطلب شجاعة قصوى وجرأة لا مثيل لها”

المراجع

1. مقالة الاحتلام الليلي، موقع طبي، الرابط https://2u.pw/vGBT8bvF

2. كتاب الافخلوجي الكبير، تعريب الأسقف روفائيل هواويني، مطبعة قلفاط، لبنان بيرون، 1955، ص632

3. كتاب مختصر الافخلوجي (يحتوي على الصلوات التي يحتاجها الكاهن، دار الكلمة، مطبعة السائح، 1989.

4. مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا كساب، منشورات النور، 1998، صـ 145.

5. كيف نحيا مع الله، الجزء الثاني، فصل (الأحتلام وأسبابه المختلفة)، نقله إلى العربية الأم بورفيريا جاورجيوس، دير سمعان العامودي، منشورات التراث الآبائي، طبعة أولى، 2012، صـ 251.

6. القديس اسحق السرياني، نسكيات(فصل في حركات الجسد)، ترجمة الأب اسحق عطالله الاثوسي، ترجمة جديدة منقحة، دير ما مخايل، ص 117

7. الأب جورج مسّوح، مقالة المرأة والكهنوت خطّان متوازيان أم متقاطعان؟ –1998، موقع حركة الشبيبة الأرثوذكسية 27 اذار 2017، الرابط https://2u.pw/TUuZT7p4

8ماريا قبارة، كهنوت المرأة كمشكلة لاهوتية مسكونية، مجلة تيلوس، منشورة في تاريخ 12/10/2020 الرابط https://2u.pw/qqXss30D