فشل الكنائس

تمر السنوات وكل عام يقام أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحية والكنائس، ولكن أي وحدة نرجوها؟ يقول مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس هزيم “ليست وحدة الكنيسة أن يصبح الكاثوليكي ارثوذكسيا، هذه من نسج الخيال. علينا أن نصلح تفكيرنا، الكاثوليك لن يصبحوا أرثوذكس، والأرثوذكس لن يصبحوا كاثوليكا، الناس لا يرجعون إلى أوضاع لها مبرراتها”(١)

يختصر البطريرك بهذا الكلام جولات كثيرة من النقاشات والمحاولات التي لن تثمر فلا يمكن أن نلتقط النجوم بكفين، لذلك وبرأيي أن الفهم العتيق للوحدة أتعب كاهل الجميع، فلا هم قادرون على الوحدة التامة، ولا هم يريدون العودة إلى سنوات الخصام، ولكن كثيرا ما يكون كبرياء القبيلة سد في وجه أي تقدم.

 فيأتي اسبوع الصلاة كمحاولة تعبر عن توق داخلي للوحدة الكاملة، ولكنه للأسف صار فلكلور سنوي لا يقدم شيئا نحو الوحدة الضائعة، أسبوع من الغزل بين الكنائس، وكأننا نقيم ذكرى لما ضاع من قرون مضت، فلا تغيرات ملموسة على أرض الواقع، أليس واقع الانشقاق إعلان فشل الكنيسة بتأدية رسالة المسيح؟ وللمفارقة أن الإلحاد والايديولوجيات والأحزاب الكثيرة جمّعت قلوب الاف ما كانت الكنيسة لتجمعها بعد ألفي عام من التعليم والبشارة، كما يعبر البطريرك الراحل اغناطيوس هزيم(٢)

ما يكرهه المسيحيون أليس صنع أيديهم؟ لان الانقسام لا يأتي من الفراغ ولا يأتي من الله لذلك من يصلي للوحدة يجب لا يرفع لله يدين فارغتين من أجلها.

اذن هل نقف؟ لا ابدا ولكن علينا ان نصلح فكرنا كما عبر البطريرك اغناطيوس هزيم.

ما هو الهدف اليوم أمام الكنائس والمسيحيين في واقع شرق أوسط مفتت واضطرابات في لبنان وحرب سوريا، وأمام هجرة المسيحيين، وانتهاك كرامة الإنسان وحقوقه والظلم والفساد والاضطهادات وانتهاك حقوق المراة،

الواحدة المرجوة اليوم العمل في المصير الواحد لشعوبنا، فهل فقط الكاثوليكي يهجر أو السرياني، هل فقط الإنجيلي يضطهد والأرثوذكسي يجوع ويمرضن إن إنسان اليوم مريض مرهق مظلوم جائع مهجر تارة في البحر وتارة في البر بلا عمل بلا مستقبل بلا حاضر بلا حياة منتهكة كرامته وحقوقته مسروق من الأنظمة السياسية ومضطهدة كرامته

اولا نحن المسيحيون مؤمنون بالثالوث والتجسد والقيامة وجميعنا نتلوا دستورا ايمانيا واحدا، موحدون شئنا أم أبينا باسم المسيح.

الامر الثاني إن المسيحيين في الشرق لهم مصير واحد وواقع واحد وإشكاليات واحدة ومخاوف واحدة، فالإشكاليات لا تمييز أرثوذكسيا عن كاثوليكي وهذا ما رأيناه بالأزمة الحالية، ما يدفعنا إلى أن نوحد عملنا في الواقع وأبسط تعبير عن هذه الرغبة أن نقيم الفصح معا، وهنا لا أطرح رغبة للنقاش أو سؤال يحتاج لجواب، فقد تخطينا هذا السؤال، وننتظر تطبيقا عمليا يوحد المسيحيين الذين يعيشون في شرق مفتت ينتظرون بارقة أمل بأرض جديدة، يسودها الانسجام والعدل.

فوحدة العيد تعبر عن وحدة واقع المسيحين وحدة مصيرهم في الشرق. قبل أن تتحد كنيسة بكنيسة يجب أن يتحد المؤمنون البسطاء، يقول المطران جورج خضر “يقيني الان أن العامة قد تكون أقرب إلى الواقع الروحي من معشر العارفين إذا هي ألحت بضرورة تقرير يوم واحد للقيامة”(٣)

نحن نحيا في منطقة تريد أن تتنفس الحياة، تريد أن لا ترى ذاتها مقسمة فقد تعب المؤمنون، وصار زمانيّ العيد حجرة عثر، لا بل سبب يأس ومدعاة تهكم، (يجدف على اسم الرب بسببكم) يقول النبي، صار عبئا محملا على كواهل عائلاتنا، فأي تعبير عن سوء حالنا الا عندما يعيد الاب الارثوذكسي دون ابنته المتزوجة كاثوليكي، او اخته المتزوجة ماروني

رعية كاثوليكية تقيم أحد الشعانين، والارثوذكسية تقيم الفصح، وهل انقسم المسيح كما انقسم الناس، فصار لكل فئة مسيح؟

الامر الثالث علينا ان ندرك ان اللاهوت تطور لكل كنيسة على حدة، طيلة القرون الماضية فكوّنت نفسها من خلاله، ورأت به المسيح وعبرت عنه، لذلك لا نستطيع أن نفتت ما صنعته القرون السالفة بسنوات قلة.

حقيقة عمل أسبوع الوحدة أن ننطلق منه لنجعل كل أسبوع هو أسبوع وحدة (لا اقصد هنا الكأس الواحدة) وان نغير التفكير بأن نحتاج للعمل معا للنهوض بالعدالة في الشرق لتتحقق للكل لا أن تعمل كل جماعة من أجل بنيها، والامر المهم ان نفهم أن الوحدة التي يحتاجها الشرق الان ليست سلطة واحدة بل وحدة تتصف بالانسجام لا بالانقسام، بالتناغم لا بالتنافر.

أليس الانشقاق صنع أيدينا؟ هناك أسئلة كثير يجب أن تطرح لماذا نناقش الوحدة على أساس الخلافات، ولا نناقش الخلافات على أساس الوحدة كما في القرون الأولى.

مراجع:

١. نفحات انطاكية، اغناطيوس الرابع بطريرك انطاكية وسائر المشرق، ص ١٦٤.

٢. اغناطيوس الرابع بطريرك انطاكية وسائر المشرق، مواقف واقوال، منشورات البلمند، ص١٢٢

٣.حديث الاحد، الدين والاديان(٢)، المطران جورج خضر، ص١٩٧