الهرطقة الجديدة

يعاني العالم الأرثوذكسي اليوم من انقسامات عديدة على الصعيد الكنسي،  فترى الانشقاقات والخصومات المختلفة ظاهرة للعيان بدون خفاء، مؤثرة  على مجتمعنا الداخلي وعلى تعاطينا مع العالم المسيحي والعالم الغير مسيحي، ومن ناحية ثانية لم تعد هناك رؤية ارثوذكسية موحدة للعالم، ولم يعد العالم الأرثوذكسي كوحدة قوية التي تعبر عن طابع الكنيسة المسكوني التي تعني “ان يكون الجميع معا” انما كفرق محلية مجزأة فقدت الصفة المسكونية، وهذا كان واضح بالمجمع الأرثوذكسي الكبير الذي لم يكن فقط ضروري لحل مشاكل تعترض الكنيسة بل كان ضروري ليبعد خطر الشقاقات،  وليعبر عن الوحدة معاً دون شقاق. فاليوم روسيا قطعت الشركة مع القسطنطينية وانطاكيا مع اورشليم من أجل الحقوق الكنائسية، يقول البطريرك اغناطيوس الرابع” أليس واقع الانشقاق إعلان فشل الكنيسة بتأدية رسالة المسيح؟ وللمفارقة ان الالحاد والايديولوجيات المتفرقة جمعت قلوب الالاف ما كانت الكنيسة لتجمعها بعد الفي عام من التعليم والبشارة”0.

اليوم وحتى بعد المجامع السبعة لم يعد هناك هرطقات فكرية كما كانت في القرون الأولى، وخاصة لان المجامع حددت الايمان وصاغت العقائد كلها أحسن صياغة، يقول المتربوليت بولس يازجي” لكن بدأت تكثر  الهرطقات الأخرى أي الانشقاقات الانتمائية”1.

فلدينا ثلاث أنواع من الانتماءات: أن تنتمي الكنيسة لقوة ما سياسية فتحالفها، وهذا ما لا نراه في كنيسة روما “فروما تتبع لروما”، او لقومية ما فيقول الدكتور جورج ي ماندزريذيس “فترى ارتداد نحو القومية بالمعنى القديم للكلمة أي نحو عبادة الاوثان لأنه بهذه الطريقة لا تعود صفة المؤمنين هي الوحدة في المسيح وانما الخصوصية القومية، او ما هو أسوأ هو التنافر القومي، لكن سيادة التمايزات العنصرية او القومية في الكنيسة هي حالة مخالفة لطبيعة الكنيسة”(3). وكانت انطاكيا دوما محمية من الانتماء القومي، و الانتماء الثالث وهو الأصعب على المستوى الداخلي “انتماء هذا لبولس وهذا لأبولس أي كما يقول المتربوليت بولس يازجي سياسة التحزب حين يعلم البعض “ليجتذبوا التلاميذ ورائهم”، الانتماء للاب الروحي هذا او ذاك.

على المستوى العام رفض مشاركة بعض الكنائس في المجمع الأرثوذكسي الكبير كان خير دليل عن مدى التمزق الذي يحيا فيه العالم الأرثوذكسي، وبداية التمزقات الجديدة، هذا مما يقلل من شأن الكنيسة الارثوذكسية، كل انقسام يأخذ الكنيسة الى الغياب على الساحة الدولية وحتى المحلية حتى نصل إلى اللاوجود، ألا يقف غير الأرثوذكس عاجزون، من نحاور؟ مع من نتكلم؟ وكل مشكلة عالمية سيقدم لها اراء ارثوذكسية كثيرة ومتفاوتة، بينما الكاثوليك هم صوت واحد.

ما هو سبب الانشقاق: الأول هو نقص في المحبة، وزيادة في القانون الذي وضع ليحفظ الكنيسة لا ان يقسمها، كل قانون يسبب الشقاق تلغيه المحبة، فالكنيسة هي العزوف عن الانقسام والاعتصام بالوحدة على حساب الفكر (والحق الكنائسي)، الكنيسة تاريخ وتمتد، لكنه امتداد لوحدة المسيح لا لانقسام الناس، فوحدتها تعبير عن وحدة المسيح والله، والانقسام صورة عن انقسام البشرية، البشرية التي ترى بالكنيسة مثال للوحدة الادمية قبل السقوط.

والثاني رؤية الواقع الكنسي من خلال انتماءاتنا البشرية الكبرى، وحقوقنا أي من خلال القانون وتأويلاته.

 ماهو دواء الانشقاقات؟ لقد ترك لنا المسيح دواء شافيا لكل الشقاقات والخلافات، دمه الكريم الذي سفك على الصليب من أجل حياة العالم، يقول المتربوليت بولس يازجي: “الانشقاق هو خطيئة دائمة، إن قداسة الكنيسة تبرهن من وحدتها، لا بل إن وحدة الكنيسة هي دليل ارثوذكسيتها، لأن هذه الوحدة هي دليل صفاء منشئها الإلهي وتجردها عن الخليط البشري”4 هذه الوحدة التي نستمدها من دم يسوع وجسده، التامل والتفكير فيه يكسر كل الاعتبارات البشرية، ويجعلنا نضع الوحدة فوق كل خلاف (عن حدود او سلطة او التحزب) فالوحدة تتحقق فقط بيسوع أيا كان التعدي على الحقوق الكنائسية، فلا تكون الوحدة حيث يكون الحق الكنائسي، انما حيث يكون يسوع، فيسوع سببها وإليه تتجه، الحقيقة لا توجد مجردة انما وليدة المحبة، الحقيقة مجردة يحولها لمصدر شقاق. المسيح يوحدنا فهو الدواء وهو الغاية، كل شيء في عالمنا نراه يفرق بسبب المصالح والانتماءات الانشقاقات في العالم هي انشقاقات مجتمعات، اما في الكنيسة فالانشقاقات هي تمزيق جسد يسوع، فهل نقسم جسد يسوع؟ وأين نحن اليوم من تحقيق صلاته، ومن تحقيق رسالته على الأرض؟.

المراجع

  • نفحات انطاكية، اغناطيوس الرابع بطريرك انطاكيا وسائر المشرق،ص164.
  • برج وجسد، المتربوليت بولس يازجي، الجزء الثاني، منشورات البشارة، حلب، ص152

2.سفر الكلمة، المتربوليت بولس يازجي، الجزء الأول، منشورات البشارة، حلب، ص216

3علم اجتماع المسيحية، جورج ي ماندزريذيس، ترجمة الاب يوحنا موسى بدور، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي، البلمند، ص75

4. سفر الكلمة، المتربوليت بولس يازجي، الجزء الأول، منشورات البشارة، حلب، ص216