إلهي إلهي لما خذلتني!

صرخت إليك، تعال يا يسوع، فأتيت وخذلتني

كنت أتصورك آتياً من السماء على السحاب(أع11:1)، دياناً قاضياً، بالعدل تقضي وتحارب وعينيك لهيب نار وبيدك سوط من نار، مرتدياً ثوباً مغمساً بالانتقام، ويتبعك جند السماء (رؤ11:19)، تأتي بزلزال وغضب ورعد، فيرتعد الملوك والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء، ويهرعوا مختبئين من وجه غضبك.

 لكنك يا ألله خذلتني.

كنت أقول لأعدائي سيجازيكم الله بنار ويرميكم ببحيرة الكبريت، ويقيدكم بالظلام، أقول لشامتيّ سيأتي إلهي، ويرميكم هناك حيث دود لا يموت، وانتظرتك لترد كرامتي واعتباري وتأخذ بثأري وتهدأ ناري، وتعيد إليّ سلامي، لأني تركت الانتقام لك يا ألله

لكنك، خذلتني وحيّرتني، فكيف أصدق عيني قلبي؟

لقد عدتَ، ولكن، عدتَ طفلاً يا ألله، عدتَ طفلاً! مرة أخرى! أكاد أجن من عجب تدبيرك

اشتهيت أن ارتمي في أحضانك لأبكي ألمي، فوجدتك مرتمياً في حضن مريم، وأن تلفني بثوبك، فلاقيتك ملفوفاً بأكفان (لو7:2) كمائت، وأن أحضر أمام عرش عدلك، فلاقيتك مضجعاً في مزود، تخيلت بيدك كأس خمرِ الغضب أو سوط العدل، فكانت يدك ترتجف برداً.

 مرة أخرى! طفلاً يا ألله؟ 

انتظرتُ دوماً أن أختبأ خلف عرشك، فكيف أختبأ الآن خلف مزود؟

 أتيتك هارباً لتفرش لي مائدة تجاه كل من يعاديني(مز5:23)، فوجدتهم يهربون بك من وجه هيرودس الملعون، يا طفلاً في مزود! ومن جديد على ظهر حمار لمصر(مت13:2)! صرنا هاربين معاً يا ألله، ماذا أفعل؟ مِن بعد ما جئت أحتمي فيك، أحميك وأهرب فيك، لنفلت من طالبي نفس الصبي(مت13:2). وصار همي أن تنجو أنت يا ألله.

لقد بادلتنا الأدوار، يحمي الإنسان خالقه، فلمن يصلي ليحميكما؟ وتأتمنه على ذاتك، وفي البدء لم يؤتمن على الفردوس، وفي الأرض يحرسك إنسان ويهرب فيك، ثم أتهرب على حمار؟ أكاد أجن يا ألله.

أظنك يا طفلاً في مزود أن تكون، فكنت ما أردت، لا ما كان ظني، وماذا ينفع الآن ظني؟ أنفعني بيقينك يا ألله لئلا أجن.

قلتَ “إن لم تعودوا كالأطفال لن ترثوا ملكوت السماوات” فكنت باكورة العائدين، وتجلّى فرسك حمار وجيشك مريم ويوسف وعرشك مزود، وأنا أحتار فيّ وفيك.

ألعليّ أنتظرك لتكبر وتنتقم لي، فيخيب فيك انتظاري، ويصلبك من طلب نفسكَ طفلاً، وأظلُ منتظراً إياك بين مجيء ومجيء، ثم تعود طفلاً لمرة ثالثة.

صار همي أن تنجو من وجه هيرودس، فأنت الخلاص وأنا الفناء. وأتبعك أتتلمذ لك، وأحمل صليبي معك، وأصلب معك، وأقوم معك فتخلصني، ثم تعود طفلاً هذه المرة لتنقذ طالبي نفسي أنا، وتبقى في ترحال بين مغارة وصلب، فتطلقنا إلى تجلي القيامة، وأنت تستقر في خبرة الألم لتخلّص الكل، نحن نذوق مجد القيامة وأنت تبقى مسمّراً على الصليب تذوق الألم للأبد، بسببٍ منا.

يا ألله، كم عميق حبك وتواضعك، لتصير من أجلي طفلاً، وتسلم ذاتك لمريم، وتأتمن يوسف ليحميك من سيف البشر، كيف تكبدت عناء الطفولة يا ألله؟ وألام الهروب من وجه خليقة جِئتَ تنير وجهها؟ كيف احتملت أن تكون في مغارة طفلاً، وتبكي في البستان وأنت الإله، وقبلتَ أن تصلب من أجل وجه قاتلك؟

كيف ندرك سر الألف كيف؟

سرّك يا يسوع إنك إله حرٌّ عظيم الجلال، قررت فجبلت، وعندما خلقت أعلنت بسبب منّا، إنك الإله المتألم إلى الأبد، والحاضر أبداً في عالمنا، في ترحال، بين ولادة وصلب، بين هروب وقبض، بين مغارة وقبر، باحثاً عنا، وستبقى المولود والمصلوب في دنيا الألم، وحتى بعد نهاية العالم، ستبقى، لأنك نكرت ذاتك، الإله المصلوب للأبد، تبكي من لم يخلصوا يا ألله.

أنت إله من ألم، من حرية، من حب، من عشق، من هيام، إلهنا المجروح إلى الأبد.

وأنا؟ … أكاد أجن من فرط حبك يا ألله.