في مقابلة للفنان كاظم الساهر يتساءل” أنا أفكر إذا راحت الأرض وين تروح الموسيقا، هذا التعب يلي تبعنا وين يروح؟” هذه الحسرة العميقة والتساؤل الذي طالما أرهق الفلاسفة والخلّاقين في التاريخ، على حد سواء: ما مآل الجمال، ما مآل الإبداع، وكل فن وآدب، ما مصير المعنى الذي يخلقه الإنسان؟ أين تذهب نوطات الموسيقا، وأين تستقر النغمات؟ هل تتلاشى في الكون وتعود للعدم؟ أين يذهب الأدب والفكر، أين يذهب تعب دويستويفسكي بوصف الإنسان ومعناه، وهل تتناثر أوراق كتبه في الفوضى، وهل يصير مسرح الأخوين الرحباني وتوفيق الحكيم وشكسبير فارغ، أم وتتفق ألوان لوحات دافنشي وتتلاشى وكأنها لم تكن، وتدمر وتتناثر منحوتات مايكل أنجلو، أين يذهب صوت فيروز وزقزقة العصافير؟ وهل يصمت ديمتري كوتيا عن الترتيل وتغلق كتبه؟
إن حسرة كاظم الساهر عن مصير الموسيقا والجهد البشري، يتشابك مع رؤية بولس الرسول اللاهوتية، التي ترسم أفاق تتجاوز محدودية الزمن، وتحرر المادة من الفناء الأبدي، لأن السؤال الأين والمصير، هو السؤال الكبير الذي يهز الوجدان البشري، ليس من باب الترف ولا الفضول، بل هو القلق المساوي للقلق حول مصير الإنسان ذاته.
في ذلك اليوم الأخير لن يكون هناك خراب وعودة إلى أرض خربة وخالية كما كان في البدء، بل هناك التجلي الأخير، التجلي للإنسان ومعناه، هذا المعنى الكبير الذي لن يُدرك إلا بمعزل عن الزمن، يقول بولس الرسول “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.” إلى أهل كورنثوس(12:13)، فكلام بولس هو الجواب، لأنه يضع الجهد البشري ومخاضاته على الطريق الصحيح، فالكون ليس رحلة من الخواء( كان الأرض خربة وخالية) ثم ستتجه نحو العبث والخراب الأول من جديد، بل تتجه نحو المعنى الأبدي.
يرفض المعنى البشري، أن يذهب هذا الإبداع إلى الفناء، كتمرد الطفل حيث تتلف خربشاته الاولى، إنجازته، إن لم يكن هناك خلود فالحياة بلا معنى، وكل تعبنا البشري بلا قيمة في عيني الله، إن لم يكن خلود للفن والإبداع، فكل شيء عبث حتى الوجود، إن علامة المسامير في يدي المسيح بعد القيامة، دلالة على أن الأثر باقي، وسيتجلى مع الإنسان. فالتاريخ والأثر والجهد والجمال لا تُمحى، بل تُحفظ في جوهر الأبدية وتتجلى في نور القيامة.
سيتجلى كل شيء أبدعه الإنسان، الأدب والموسيقا والرسم، إن الإنسان الخلّاق سيرحل إلى الأبدية مع إبداعه، يستمع الإنسان لموسيقاه الى كتبها، ويتأمل التمثال الذي نحته، ويعيد قراءة الأدب الذي تمخض به، فتصبح قراءة دوستويفسكي ليست بحروف بل معنى، سنرى أعماق النفس البشرية وخلاصها وجها لوجه، بعد كانت أسطر وكلمات خطها فيدور، يقول المطران جورج خضر “ ما يخص الحساب ذهب في دنيا الحساب، لكن جوهر ما أراده بيتهوفن سيبقى، أحد يجب أن يلملم الجمال[1]” سنعيد القراءة والاستماع وقد تجلى الإبداع، واكتسب منعاه الأخير ويقول بولس الرسول”» لِأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلَادِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَتَمَخَّضُ وَتُتَأَنَُّ مَعًا إِلَى الآنِ«.
عندما نحت مايكل أنجلو تمثال موسى عام 1515، رآه تمثال ينبض بالحياة من شدة تمثيله للواقع، فصرخ في وجه التمثال”انطق يا موسى انطق” ما لم يسمعه ما يكل أنجلو في التاريخ، سيرن في الأبدية، سينطق الإبداع بالمعنى، لأن “كل شيء حي”[2] يقول اللاهوتي أوليفييه كليمان، فما عجز أنجلو عن خلقه بالإبداع، سيكمله روح الله بالتجلي الأخير.
إن كل ما ما نختبره هنا من لفتات الجمال، ونسمعه من ألحان عظيمة ليست سوى جزء من الجمال الذي سنراه في الأبدية بلا شجون، ويبقى الجمال في خلود لا يزول، يقول البطريرك أثيناغوراس ” تبقى اللوحة الفنية، والسيمفونية، والآثار المدهشة، وتعانق آيا صوفيا نموذجها المثالي، أورشليم الجديدة“[3].
أما الذي سيتلاشى وحده الشر والفساد لأنهما ليس من أصل الوجود، وحده الشر سيصير عدم.
إن حسرة كاظم وصرخة مايكل أنجلو، ليست سوى أصداء بعيدة لذلك الصوت الإلهي الذي سيكمل ما عجز الإنسان عن بلوغه في الزمن، الكون لا يتجه للخراب، وما ننتجه لا يُفنى، بل يحيا في خلود في ذاكرة الله في سجل أبدي، هكذا ” يتجلى الماضي ويتخذ له مكاناً في الملكوت” يقول البطريرك أثيناغوراس[4] إذا كانت الدنيا متجهة للخراب، فما معنى القيامة؟
المراجع
جورج خضر، الحياة الجديدة، دار النهار، لبنان بيروت، طبعة أولى، شباط، 2001.
حوار مع البطريرك أثيناغوراس (الحياة والأقوال)، أوليفييه كليمان، ترجمة ديمتري كوتيا، وجود أرثوذكسية معاصرة5، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع، مطبعة الينبوع، لبنان، بيروت،2008.
الهوامش
[1] الحياة الجديدة، جورج خضر، ص7
[2] حوار مع البطريرك أثيناغوراس، 251.
[3] نفس المرجع السابق،254.
[4] نفس المرجع السابق، 254.