الكلمات المفتاحية: التراث المشترك، الهوية المصرية، الفن القبطي، الفن الإسلامي، العادات والتقاليد، اللغة القبطية، الثقافة الشعبية، الأقباط والمسلمون، التاريخ المصري.
تناقش هذه الورقة
تتناقش هذه الورقة البحثية “التراث المشترك للمصريين” مفهوم الوحدة الثقافية والتاريخية بين المصريين مسيحيين ومسلمين، وتُبين أن التراث القبطي والإسلامي في مصر ليسا حالتين منفصلتين بل يمثلان حالة فريدة من التلاحم والتكامل.
وتستعرض الورقة عدة محاور أساسية لإبراز هذا التراث المشترك، وهي:
- تأثير الفن الإسلامي على الفن القبطي: بيان التأثير المتبادل في العمارة، والزخارف النباتية والهندسية، والكتابات على جدران الكنائس والأديرة.
- الأعياد والعادات المشتركة: استعراض العادات والتقاليد المتوارثة منذ العصور الفرعونية والتي نقلتها الحقبة القبطية واستمرت لدى المسلمين والمسيحيين معاً (مثل: دق الهاون، شم النسيم، أربعينية الميت، وبعض عادات المولد النبوي).
- أثر اللغة القبطية في الهوية اللغوية: توضيح كيفية تأثير اللغة القبطية (المرحلة الأخيرة للغة المصرية القديمة) على اللهجة العامية المصرية ودخول مئات الكلمات ذات الأصل القبطي فيها.
- الرموز في الثقافة الشعبية: استعراض الرموز المشتركة التي يقدسها أو يتأثر بها كلا الطرفين، مثل نهر النيل، وقصة رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وزهرة اللوتس، ومفتاح الحياة.
- الروح المشتركة في الشخصية المصرية: إبراز التشابه الكبير في سلوكيات التدين، والتفكير، وطرق الرد على الشبهات الدينية، وتكريم الأولياء والقديسين، مما يعكس انصهار الشخصية المصرية في بوتقة المصدر الواحد
المقدمة
لا يقتصر التراث القبطي المشترك بين المصرييين مسحيين ومسلمين، على التراث الفكري أو اللغوي فقط، بل يمتد ليشمل كل التراث المادي واللامادي، وسنرى في هذه الدارسات، إن المشترك بين المصريين كافة، لم يشمل فقط مجال ما بل امتد من المجال العام إلى المجال الخاص، من شخصية المجتمع عامة إلى شخصية الفرد المصري، سنرى خلال هذه الدراسة، تأثير الفن الإسلامي على الفن القبطي، والأعياد والعادات المشتركة للمصريين ذو المصدر الواحد، اثر اللغة القبطية في تشكيل الهوية اللغوية للمصريين، والرموز في الثقافة الشعبية، كل هذه الأمور معا تشكل أساس واحد وتظهر تماما كيف صقلت القبطية شخصية الإنسان المصري، بدون أن تدخل عليه ما هو الغريب عنه.
تأثير الفن الإسلامي على الفن القبطي
لقد اثر الفن الإسلامي في العصور الإسلامية على الزخرفات والنقوش القبطية في الكنائس المسيحية القبطية، ولقد كان لها أثر كبير في مصر، في مختلف العصور، وقد تجلت هذه التأثيرات في الفن المعماري للعمارة القبطية، وقد ترك أثر كبير في في التخطيط والرسم، مثل الأعمدة والشكل العام والحنايا والقبب
“الحنية الكبيرة المحوفة بالهيكل الخاص بكنيسة العذراء بدير السريان والزخارف الموجودة بها عبارة ايضا عن زخارف جصية معظمها من النوع النباتي المتطور من الطراز السامري تشبه الزخارف الموجودة في محاريب المساجد، وكما توجد حليات هندسية على شكل مثلثات متساوية الأضلاع ومسدسات منتظمة في بوابة دير باويط ب-صر العليا، ودير سمعان بأسوان وهي تشبه الحليات الموجودة في سقف ضريح السلطان قلاوون(1285-1288م) وجامع السلطان الناصر بالقعلة بالقاهرة والتي ترجع إلى عام 1335م، وهي حليات إسلامية متطورة من الحليات الهندسية التي ترجع إلى العصر الروماني المبكر”[1]
وامتدت التأثير وإلى الزخارف النباتية والهندسية وتعد من أهم وأكثر الزخرفات التي نفذت في الكنائس والأديرة، لأنها تشكل الزخارف الأساسية التي تزخف بها الابواب والقناطر وأيضا زخرفة الصليب، حيث تنوعت أشكال الصليب وزخرفاته.
كان للغة العربية الدور البارز في هذا التأثير فبعد تعريب الدواووين إلى العربية بعد الدخول الإسلامي فقد ترجم الإنجيل إلى العربية أولا، ثم انتقلت الكتابة لتكون زخرفات على الأعمدة والأثار الكنيسة إلى جانب اللغة القبطية، وكانت تعد الزخرفات الكتابية من أحد وأهم مميزات الفن الإسلامي.
الأعياد والعادات المشتركة
لقد ترسخت العديد من العادات القديمة من العصور الفرعونية، واستمرت في الفترة القبطية التي تسبق العربية، وتناقلتها الأجيال وبقيت راسخة في المجتمع المصري، وتناقل هذه العادات المسيحيون والمسلمون عن بعضهم البعض، وهذا يجعلنا نرى بوضوح تام الأرضية المشتركة التي يستند عليها المجتمع المصري، وكيف كونت وشكلت المجتمع حاليا بدون أن تنتقص من عادات أحد، بل كانت غنى للمجتمع المصري
“ويؤكد بدوي ان عصر الدولة القبطية كان بمثابة القاطرة التي نقلت تلك العادات والتقاليد كما ان هذه الحقبة التاريخية أفرزت العديد من العادات الخاصة بالدين المسيحي نقلها عنهم المسلمون ولا زالت قائمة حتي الآن”[2]
عادة دق الهاون، وهي عادة مرتبطة بالانجاب، حيث يقوم الأهل بالاحتفال بالمولود بعد عدة أيام، وهي عادة فرعونية يعمل أهل على |إصدار أصوات عالية ليعتاد الطفل على الأصوات العالية، معتقدين إن هذه الحركة تخفف من الخوف والفزع عند الطفل.
عيد شم النسيم، هو عيد غير مرتبط بالمسيحية ولا الإسلام، بل عيد مصري قديم، احتفل به المصريون منذ عام 2700قبل الميلاد، وهو عيد مربتط بالأعياد الزراعية، وقد ارتبط بصبغة اجتماعية، ونقلته القبطية ثم انتقل إلى اليوم ويحتفل به كل المصريين.
تذكر الأربعين يوم لموت الإنسان، وهي عادة فرعونية التي كانت تسبق الدفن حيث كانت فترة لتحضير الجسد للتحنيط والدفن، وظلت حاضرة لدى المسيحيين والمسلمين، بدون أي سند إنجيلي أو قرآني.
“..المسلمين اخذوا عن الأقباط بعض العادات في المولد النبوي الشريف مثل الحصان والعروسة فالعروسة هي تصوير للقديسات في المسيحية حيث يضع الاقباط علي رؤوس القديسات والقديسين “هالة” ترجمت الي الهالة المصنوعة من اوراق الكروشة علي رأس العروسة في المولد النبوي، كذلك الشهداء في الكنيسة تصورهم باستمرار وهم يركبون الخيول مثل ماري جرجس والامير تادرس وغيرهم.. فأخذت هذه الرسومات وترجمت الي هدايا من الحلوي وهي عادة لازالت قائمة حتي الآن..”[3]
اثر اللغة القبطية في تشكيل الهوية اللغوية للمصريين
تعتبر اللغة القبطية المصرية هي المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة، وتشكل مكون رئيسي للهوية اللغوية للمصريين، فقد كات هي اللغة الرسمية قبل حلول اللغة العربية مع الدخول العربي إلى مصر، ولكن دخول العربية لم يزل القبطية، بل تاثرت العربية بالقبطة، وكثير من الكلماات والمفردات القبطة دخلت إلى الغة العربية وصار جزء منها، بدون أن يتم إنتاج لغة ثالثة، وتعتبر اللعة القبطة مفتاح هام لفهم العديد من الجوانب التاريخة والدينية لمصر عامة، وخاصة فيما يتعلق بالطقوس.
تؤكد كثير من الدراسات اللغوية أن مئات من الكلمات العامية المصرية هي ذات أصل قبطي، وبعضها يعود إلى مراحل أقدم، وهذه الكلمات لا تقتصر على مجال واحد بل تشمل المجال الزراعي، والأطعمة والمشاعر وحتى السباب والشتائم كثيرة، هذه الكلمات التي تتردد على ألسنة المصريين ويظنها البعض عامية عربية مصري لها أصول قبطية واضحة مث[4]ل:
| اللفظ القبطي | أصلها القبطي | معناها | الكلمة بالعامية |
| توبه | τωΒε | حجر صغير | طوبة |
| بنوري | ΠεΝοΥΡι | وعاء فخاري | بنورة |
| تشوشه | σωσε | سعال | كح |
| نونو | Νογνογ | طفل رضيع | نونو |
| تمساح | τεΜςαζ | حيوان برمائي | تمساح |
الرموز في الثقافة الشعبية
إن كل الرموز في ارض مصر، لم تقتصر لتكون رمزا لفئة دون الأخرى، فقد كانت الرموز كلها هي مشتركة بين الكل، فما قدسه المسيحيون شعبيا قدسه أيضا المسلمون، وما كان ذو قدسية للمسلمين كان أيضا للمسيحيين، وهنا لا يقتصر على الرموز الدينية المشتركة بل أيضا لرموز كثيرة أخذت من القديم
فيشكل النيل لمصر شريان الحياة، ورمزا للحياة والخصوبة والخير، فقد قدسه الفراعنه، ورفعوه إلى أعلى درجة وجعلوه إله الخير والسعادة وآسمو حابي[5]
ورحلة العائلة المقدسة إلى مصر ( يسوع(عيسى) وأمه) فتشكل هذه القصة أهمية كبيرة في التراث القبطي المسيحي، وأيضا في التراث الإسلامي، وقد ذكرتها القرآن الكريم في آيته:
﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾[ سورة المؤمنون: 50]، وتفسر ربوة ذات قرير ومعين بأنها أرض مصر[6].
زهرة اللوتس، رمز القاء والولادة من جديد وتستخدم بالزخرفة، مفتاح الحياة(العنخ) رمز للحياة والخلود ويستخدم في الفن والمجوهرات.
الروح المشتركة في الشخصية المصرية
من يراقب بدقة السلوك المسيحي والسلوك الإسلامي المصري، لا شك يرى تشابه كبير في كل شيء، بالمنطق والتفكير والسلوك والتدين وكل شي متشابه، فالخطاب المسيحي والإسلامي يكادات يكونان متلامسان بشكل كبير، فنجد مثلا على صعيد اللاهوت المسيحي وعلم الكلام الإسلامي، في المسيحية فن الرد على الشبهات، ولدى المسلمين أيضا فن الرد على الشبهات، عند المسلمين الإعجاز العلمي في القرآن وستجد أيضا لدى المسيحية(المصرية حصراً) الإعجاز العلمي في الكتاب المقدس، أما المنطق التفسيري للكتاب المقدس لدي مسيحي مصر وخاصة الأقباط متأثر تماما بالمسلمين، ورية الأقباط للكتاب المقدس كرؤية المسلمين للقران، بأنه منزل، وإن الوحي هو تلقين من الله لرسوله أو للحواريين في الكتاب المقدس.
على صعيد تكريم الأشخاص، فيبجل المسيحيون القديسيون، وكذلك المسلمون يقومون بتبجيل أولياء الله الصالحين، ويقام لهم مقامات ومزارات، والتدين هو سمة واضحة بالشخصية المصرية لكلا المجتمعين، فالمسيحي والمسلم كلاهما متدين بذات الدرجة، ما أود قوله بهذا الكلام، إن التشابه لا يأتي من مصدرين مختلفين، بل إن التشابه الكامن في الشخصية المصرية لكل منهما، نابع تماما من تلاقي الأختلاف في بوتقة المصدر الواحد، التي أثرت وصبغت وعجنة الشخصية المصرية وأخرجتها كما هي اليوم.
الخاتمة
القبطية كانت الأساس للمجتمع المصري لكونها التطور الأخير للتراث المصري القديم، ودخلت الإسلامية لتطعم القبطية وتخرجها بحلتها كما نعرفها اليوم لقد حملت القبطية كل الإرث المصري القديم، من عادات وتقاليد ولغة ورموز فكانت ذلك القارب الذي نقل كل القديم، إلى الحاضر وأنتج شكل المجتمع المصري اليوم، أما ما ذكرته في البداية عن أثر الفن الإسلامي على الفن القبطي، ليس خروج عن الموضوع بل لأوضح إن التراث القبطي والتراث الإسلامي في مصر اليوم ليسا حالتين منفصلتين، بل شكلتا حالة فريدة في المجتمع المصري، فالقبطية اليوم ليست هي القبطية قبل الإسلام، والإسلامية اليوم ليست هي هي ما قبل دخولها إلى مصر وتلاقيها مع الإسلامية، فشكلت العربية المصرية، حيث القبطية والإسلامية تراث مشترك لكل المجتمع المصري.
مراجع
[1] محمد هاشم اسماعيل ومحمد عبد الودودو عبد العظيم، التأثيرات الإسلاميةعلى الفن المعماري القبطي، جامعة المنصور كلية السياحة والفنادق، ص 759
[2] يوسف شعبان يوسف ايوب، المسيحيون والمسلمون في مصر: عادات مشتركة وحياة واحدة ، موقع مصرس، تاريخ الاتطلاع عليه 7/7/02025، منشور في تاريخ 5/1/2006، للاطلاع عليه https://www.masress.com/nahda/1491022
[3] المرجع السابق.
[5] مصطفى عبد السلام، نهر النيل رمز الحضارة المصرية الذي رفعه الأجداد لمصاف الألهة، تموقع مصر كما لم تراها من قبل، تاريخ المقال 29مايو، تاريخ الاطلاع عليه7/7/2025، للطلاع عليه: https://egyptiangeographic.com/ar/news/show/261
[6]تفسير : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين [ المؤمنون: 50]، موقع القرأن الكريم، تاريخ الاطلاع عليه 7/7/2025، للاطلاع عليه: https://surahquran.com/aya-tafsir-50-23.html