قسطا بن لوقا البعلبكي(ورقة بحثية مقدمة لدبلوم التراث العربي المسيحي)

كلمات مفتاحية: بسملة، دعاء، شفاء، مصير، مشترك.

1.     المقدمة:

يهدف هذ البحث على فهم العلاقة بين المسيحيين والمسلمين من خلال تحديد الركائز الثلاث التي يمكن أن نستخرجها من رسالة قسطا بن لوقا، واستمرارها شعبيا وفكريا إلى اليوم، فنموذج رسالة قسطا بن لوقا، توضح لنا بأجلى بيان العلاقة الطبيعية الصافية بين المسيحيين المسلمين، فالعلاقة لم تكن ند لند، ولا كعدوين وخصمين، بل علاقة شراكة حقيقية، فالمسيحيون تبنوا العربية تاريخاً وثقافة تبنياً كاملاً، وصار التاريخ العربية تاريخا مشتركا، والمستقبل والمصير مصيراً مشتركاً يقول البطريرك اغناطيوس هزيم ” لقد توحد مصير المسيحين والمسلمين”، هذه العلاقة المشتركة لم تكن سوى علاقة حقيقية، مبنية على فهم الآخر فهماً حقيقة، وارتباط علائقي يجعل من الطرفين شركاء على الصعيد الحياة والوجود.

2.     البسملة الرحمانية:

تبدأ مقدمة الرسالة بالبسملة الرحمانية ” باسم الله الرحمن الرحيم” هذه البسلمة التي كانت يتلوها المسيحيون والمسلمون، وكانت فاتحة معظم الكتب العربية، مثل كتب حنين ابن اسحق، وابن العبري حيث يبدأ كتابه  تاريخ مختصر الدول[1] بالبسملة “بسم الله الرحمن الرحيم” ، وفاتحة بعض ترجمات الكتاب المقدس، بداية إحدى ترجمات سفر التكوين “بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين” هذا الاشتراك بالبسلمة، لم يكن غريباً ومرفوضا لدى الكتاب المسيحيين، لا في الكتب العلمية مثل الرسالة التي نحن بصددها، ولا في الكتب اللاهوتية والترجمات للكتاب المقدس، وقد استعمل المسيحييون العرب الكثير من المصطلحات العربية الإسلامية في كتابة اللاهوت، مثل (الله عز وجل، الله تعالى، وتبارك الرحمن، والذات الإلهية، الخ..).

 إن البسملة المشتركة تشكل لنا منارة لفهم نظرة المؤمنين من كلا الدينين، فكلاهما ينظران إلى ذات الإله ويؤمنون به بذات الصفات، إنه الرحمن رحيم، ولا يمكن أن نفهم إن هذه المحاولة هي استرضاء للمسلمين أو التقرب منهم، بل هو تماما ما فهمه المسيحيون العرب الأوائل، إن العربية وما تحمله من ثقافة هي قاعدة مشتركة للمسيحيين والمسلمين، ويمتلك المؤمنين من كلا الدينين تلك المشتركات الروحية، فلذلك كان من السهل على المسيحييون العرب أن ينتقلوا من خلفياتهم وهُوياتهم الضيقة إلى رحاب العربية وتبنيها، فيستعمل المطران جورج خضر(المعاصر) المطران في كنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية عبارة “الصلاة خير من النوم” في صلاة الفجر[2]، ويستعمل البطريرك اغناطيوس هزيم بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق في أحد عظاته عن الباب الملوكي، كلام آسماه البيان الإلهي من القرآن الكريم:

“إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين”، “وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس” صدق الله العظيم، وصدق الله العظين هذه مني لأن المؤمن يقولها لأن هذا الكلام هو كلام الله[3].

 وكثيرا ما نسمع بالسياق المسيحي الشعبي عند الترحم على إنسان ميت عبارة” وأسكنه الله فسيح جناته” أو عبارة “ولكم عظيم الآجر والثواب”، هذا التواصل المستمر لاستعمال عبارات عربية إسلامية في سياق مسيحي رغم كل ما تعرضت له علاقات المسيحيين والمسلمين من إضراب وقلاقل، لم يمنع من بقاء المشتركات الثقافية بيننا، هذا يؤكد تماما الجذور الواحدة للفكر العربي المسيحي والإسلامي، وصفاء العلاقة اليومية.

3.     الصلاة أو الدعاء لمسلم

 “أسأل الله أن يعظم بركته عليك، وأن يرزقك السلامة ومحمود العاقبة، ويجزل لك الثواب عليه ويحسن صحابتك فيه”[4]، عندما نقرأ في بعض القوانين الكنيسة الصارمة التي تقول بمنع الصلاة مع الهراطقة، ونقرأ الدعاء من فم مسيحي لمسلم، يوقعنا في حيرة كبيرة، هل يحاول هذا الكاتب استرضاء المسلم أيا كان مقامه، أما فعلا هو نهج مسيحي؟ مهما كان التفسير لذلك، أقف أمام فكر مسيحي ناضج يواجه حياة المؤمنين بدين آخر، هذا الدعاء يشكل عملاً تجسدياً للتدبير الله الخلاصي، فالمؤمن في إيمانه هو فاعل لخلاص الآخر، ويمد الخلاص لكل “إنسان آتيا إلى العالم.” (يو 1: 9). ، ولا يحصره في ذاته، فالصلاة في إيماننا الأرثوذكسي ليست مجرد دعاء كلامي، بل هي التواصل مع الله، وإشراك كل من نصلي لأجلهم في هذا التواصل الإلهي البشري، وهذا ما نجسده عملياً في القداس الإلهي عندما نرفع الذبيحة الإلهية لأجل كل العالم وخلاصه، غير مستثنين من الصلاة أحد، أمؤمناً كان أو غير مؤمن، ونجسده بأجلى بيان عندما نرفع الدعاء بالقداس لأجل حاكم البلاد أمسلماً كان أو مسيحياً أو ملحد،  فنقول “من أجل حكام هذه البلاد ومؤازرتهم في كل عمل صالح إلى الرب نطلب”[5]،  فالدعاء المسيحي يظهر عمق المودة الرابطة بين اثنين من دينين مختلفين، ومن ناحية ثانية لا يمكن أن نقرأ ما كتبه قسطا بن لوقا من خلال واقعنا وما يحمله من إشكاليات تراكمت خلال الزمن بين المسيحين والمسلمين، ما يجب فعله هو أن نقرأ العلاقة في بدايتها في صفائها الأول قبل أن تدخل إلينا ونتأثر بالمشاكل والتوترات الطائفية التي بدأت تتراكم من حروب الإفرنج والتي سممت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين.

4.     الاهتمام الطبي بمسلم

هذه الركيزة هي الكتاب بكامله، وهو كتاب يشكل نصائح وقائية لدرء المرض لشخص مسلم ذاهب إلى الحج، وليست في سياق عادي يومي، وكان قد طلب الوزير محسن بن مخلد مرافقته إلى الحج ليشرف على صحته، ولكن حالت الظروف بألا يرافق قسطا بن لوقا الوزير إلى الحج، فتشكل هذه النقطة علامة قوية ترتبط وتؤسس للفهم لا على الصعيد الديني اللاهوتي بل على الصعيد الحياتي اليومي أنذاك.

“يشكل الكتاب نموذج في التعايش المشترك بين أتباع المسيحية والإسلام، ونموذج فريد في العلاقات المسيحية الإسلامية، التي تميز بها العصر العباسي، وإسهام واضح للمسيحيين العرب في الحضارة العربية الإسلامية”[6]

هذه العلاقة اليومية التي تظهر في رسالة قسطا، رغم كل ما حدث بيننا كمسيحين ومسلمين بقيت محافظة أيضا على الكثير من التعاون إلى يومنا هذا، فالحياة على الصعيد اليومي مشتركة، فرغيف الخبز مثلا الذي يأكله المسحييون لا تصنعه أيادي مسيحية فقط، بل صنعته عشرات الأيدي (مسيحيين ومسلمين)، من زراعة القمح إلى وصناعته وبيعه، رغم إن هذا المثال لهو مثال بسيط ولكن يعبر ببساطته على التعاون الحقيقي، وهكذا بكل مفاصل الحياة اليومية، وهذا انعكس أيضا على الحياة في زمننا المعاصر في سوريا ولبنان مثلاً، فإنه جدير من الملاحظة إن التعاون لم يقتصر في المجال الغير ديني، لأنه من الجدير من الملاحظة الكثير من الأدوات الكنيسة التي تسعمل في الليتورجيا مثل المباخر والشموع والخ، كانت تصنع لدى نحاسين مسلمين، بدون أن يثير هذا الأمر حفيظتنا كمسيحيين، ومن الملفت أيضا، اتقان البعض من المسلمين فن رسم الأيقونات البيزنطية مثل الفتاة ذكرى العلي التي تمتلك مرسم في خان الزجاج في دمشق(سوريا)[7]، بالإضافة إلى محمود زيباوي المسلم وهو باحث في فن الأيقونات أيضاً ويقول:

“الأيقونات تلاحقني بشكل عجيب لا أفهمه،..، الحقيقة أن علاقتي بهذا الفن بدأت كإعجاب وولع في البداية، ثم تحولت إلى اختصاص”[8].

5.     الخاتمة:

إن العلاقة بين المسيحين والمسلمين بصفائها هي علاقة تتميز بعلاقة حياتية وتعاونية مشتركة، فما كانت يكتبه قسطا بن لوقا، يوضح لنا كيف كانت العلاقة بين المؤمنين في عصره، وما تركته من أثر في القلب العربي المسيحي والإسلامي، لم تستطيع أن تلغيه كل ما اعترض العلاقة المسيحية الإسلامية، وسندرك حتماً مهما اضطربت العلاقة بين كلا الطرفين نتيجة الحروب الصليبية وغيرها من جهة، وكل فتاوى التكفير للجماعات المتطرفة الإسلامية، تبقى هناك ركائز واساسيات تشكل لنا نقطة مرجعية، نقيم على أساسها علاقتنا ومستقبلنا، ونتجاوز من خلالها الخلافات التي تراكمت على مدار قرون، ما كتبته قسطا بن لوقا، هو مرجع للسلوك المسيحي ودستور حياة يومية.

المراجع

  1. الدامور، محمد. بين العشق والرزق..ذكرة فتاة سورية تعتنق فن الأيقونة البيزنطية، مجلة سبونتيك 3/2/2020، تاريخ الإطلاع عليه26/5/2025، متاح على: WWW.SAEABIC.AE
  2. هزيم، اغناطيوس. حوارات (1989-2000). دمشق، بطريركية الروم الأرثوذكس، 2001.
  3. حجيري، محمد. محمود زيباوي أيقوني لا يصلي لولا كريزة الإيمان، جريدة المدن، 17/8/2014، تاريخ الإطلاع 20/5/2025، متاح على:WWW.ALMODON.COM.
  4. خضر، جورج . صلاة الفجر، موقع حركة الشبيبة الأرثوذكسية،  تاريخ المقال:25/10/2024، تاريخ القراءة: 20/5/2025، WWW.MJOA.ORG
  5. قسطا بن لوقا، مخطوط  رسالة في تدبير سفر الحج، مكتبة قطر الرقمية تاريخ القراءة: 24/5/2025، متاح على: WWW.QDL.QA
  6. عماد تومس، قسطا بن لوقا..المسيحي العربي صاحب الدليل الصحي الأول للحج إلى مكة، المجلة العربية، 3/30/2019، تاريخ الإطلاع عليه 26/5/2025، متاح على : WWW.ARABICMAGAZINE.NET
  7. غريغوريوس بن أهرون الملطي، أبي الفرج.  مختصر الدول، بيروت، دار الكتب العلمية،.

[1] أبي الفرج غريغوريوس بن أهرون الملطي، مختصر الدول( بيروت، دار الكتب العلمية، 1997)، صـ7

[2] جورج خضر، صلاة الفجر،موقع احركة الشبيبة الأرثوذكسية،  تاريخ المقال:25/10/2024، تاريخ القراءة: 20/5/2025، WWW.MJOA.ORG

[3] اغناطيوس هزيم، حوارات (1989-2000)، 0(دمشق، بطريركية الروم الأرثوذكس، 2001)، صـ101.

[4] قسطا بن لوقا، مخطوط  رسالة في تدبير سفر الحج، تاريخ القراءة: 24/5/2025،

[5] من قداس القديس يوحنا ذهبي الفم.

[6] عماد تومس، قسطا بن لوقا..المسيحي العربي صاحب الدليل الصحي الأول للحج إلى مكة، المجلة العربية، 3/30/2019، تاريخ الإطلاع عليه 26/5/2025، متاح على : WWW.ARABICMAGAZINE.NET

[7] محمد الدامور، بين العشق والرزق..ذكرة فتاة سورية تعتنق فن الأيقونة البيزنطية، مجلة سبونتيك 3/2/2020، تاريخ الإطلاع عليه26/5/2025، متاح على: WWW.SAEABIC.AE

[8] محمد حجيري، محمود زيباوي أيقوني لا يصلي لولا كريزة الإيمان، جريدة المدن، 17/8/2014، تاريخ الإطلاع 20/5/2025، متاح على:WWW.ALMODON.COM.