لقاء الخلاص وصراع الإرادات

لقاء السامرية بالمسيح هو مثال لقائنا بالناس كل يوم، في الساحات، في الكنيسة، في الشارع، في أماكن العمل، وبكل لقاء من هذا النوع ينكشف فيه قلب كل واحد فينا، أين هو القلب، لقد كان قلب يسوع مع السامرية في لقائها، وقلب السامرية كان في الصراع التقليدي بين اليهود والسامريين، صراع الأماكن، لكن يسوع حوّل هذا اللقاء من لقاء تقليدي تتجدد فيه الخصومات، إلى حياة جديدة للسامرية.

السؤال المطروح علينا: كيف نلاقي الناس ونحاورهم؟ هل نلاقيهم مثلما لاقى يسوع السامرية؟ أم كيف لاقته هي؟ تواضع يسوع وطلب منها ماء مظهراً احتياجه لمساعدتها ثم نقلها إلى عالم جديد، بينما عندما لاقته هي قالت له أنت يهودي ثم أرادت الدخول معه بالجدال التقليدي.

لقد اعتدنا أن تكون اختلافتنا هي محور أي حديث بيننا، أكان بالسياسة أو بالدين، إيماني أعظم من إيمانك، وطائفتي أفضل من طائفتك، وعقيدتي أكثر دقة من عقيدتك، ونحن الصح وأنتم الغلط، أبي أعظم من أبيك، في أحاديثنا نصير انتمائاتنا وأفكارنا هي محور النقاش، ونناقش لا لنسمع الآخر أو نجذبه، بل لننتصر عليه، لنفوذ عليه، ولو كنا مخطيئين، دائما نسعى لأن يكون الآخر على خطأ ونظهر له عظمة ما نحن فيه، من خيارات واختيارات، ومن واقع وانتماء، وكأن الآخر لا يكون مهم إلا بقدر انتمائه إلينا، وهكذا نخسر أنفسنا، ونخسر الآخر، ونحول اللقاء لحلبة صراع إرادات.

ما هو الحوار؟ الحوار هو أيقونة للقاء الله، إذا كنا لانستطيع أن نحاور إنساه نراه، كيف نحاور الله الذي لانراه، الصراع الذي يحدث ضمن الحوار مع الآخر هو في الحقيقة انعكاس لصراعنا الداخلي وعدم سلامنا مع أنفسنا. فكيف يكون إذا الحوار؟ لا يبدأ بالاتفاق على العقيدة أو بالأفكار، بل بالاعتراف بالآخر واحتياجاته، يجب أن نفهم انتمائه وأفكاره واختياراته وخياراته بدون أن نحكم عليه أو ندينه ونناقشه فيها ونثبت خطأه،  انظروا المسيح لم يهاجم إيمان السامرية مثل أترابه من اليهود، أو حول الحوار لصراع إرادات أو صراع عقائدي، بل نجعله لقاء خلاصي، لقاء ينتمي فيه كل منا، وفي هذه الحالة وإن فشل الحوار ولم نستطع أن نقوده إلى المسيح، يكفي أن يصير الحوار لقاء لا صراع، يكفي أن نسير في الطريق الصحيح، يكفي أن ننمو بالحوار مع الآخر، لا أن نحاول هزيمته والانتصار عليه.

كيف دخل يسوع بالحوار معه

لقد عطش يسوع  وهو الإله، ليعطي للسامرية وأظهر حاجته للماء كما هي تحتاجه، وطلب منها مياه ليشرب، ليخلق حديث معها، كان يفتتح حديثاً، عندما نريد الآخر، يجب أن نظهر أن لدينا ذات العطش وذات الاحتياج، لكي نكون متساويين ليشعر إننا نشبهه، أن نبحث عن المشتركات معه، فالأرضية المشتركة هي التي تساعدنا للانطلاق. وأيضا من ناحية ثانياً أن نظهر إننا نحتاج إليه إلى فكره وإلى وقته، لكي يفتح قلبه، الحوار المثمر ليس إحسانا من طرف إلى آخر بل هو أن نعترف إننا نحتاج لبعضنا، يقول القديس يوحنا ذهبي الفم ” لاشيء يجذب النفس ويجعلها لينة ومستعدة لقبول الحق مثل المحبة والتواضع، المسيح لم يأت ليدين بل ليخلص، وهكذا يجب أن يكون كلامنا”

اتبع يسوع التدرج معها، فرأته أولا يهودي غريب وعدو، ولم يحزن، ثم رأته أعظم من يعقوب ولم يستعجل، ثم رأته نبي، ولم يتهكم عليها، ثم رأته مخلص، ولم يتعظم عليها، إن الحوارات مع الآخر تأخذ خطوات طويلة، بدون أن نتعب ونيأس، إن رآنا الآخر أول الأمر خصم، فلا نتأثر بل لنراه أخا محبوباً، ثم لننقله قليلاً قليلاً إلى عالم المسيح، يقول القديس اغسطينس ” إن الحق لا يفرض بالقوة بل يشرق في القلوب الهادئة”.

بالحوار يجب أن نركز على الهدف، ولا نضيع ونذهب حيث يأخذنا الحوار أو ما ينتج عنه، فعندما جاوبته السامرية ” كيف تسألني أن أسقيك وأنت يهودي وأنا أمراة سامرية؟ لم يذهب يسوع معها، بل نقل تفكيرها إلى مكان الجوهر وركز على ماء الحياة، وعندما أخذته إلى يعقوب، وهو الذي أعطاهم البئر، أخذته إلى عظمة البئر، ولكن يسوع عاد وركز على الماء، وعندما طلبت منه في النهاية الماء الذي يعطيه، كشف لها حياتها وخطيئتها، فلم تنجرح بل تابت لأنها أدركته نبي، فسألته عن الأماكن أين يعبد الله هنا أو في أورشليم، لم ينجر لنقاش الأماكن، بل أخبرها: نحن نعبد ما نعلم وأنتم تعبدون مالا تعلمون، والخلاص يأتي من اليهود، ثم  بل نقلها إلى الحالة، نعبد بالله بالروح والحق، ثم ذهبت للمسيح فأعلن لها ذاته.

انتبهو فالحقيقة لا تُكشف منذ البداية، لئلا تصبح قاتلة، بل نحتاج أن نمهد لها الطريق ليقبلها الآخر، لو قال يسوع لها منذ البداية: الخلاص يأتي من اليهود، كان تحول الحوار لجدال تقليدي، ولو قال لها أنا المسيح لسخرت منه فوراً، لقد تدرج معها يسوع خطوة خطوة، ساعدها لتفتح قلبها ثم أعلن لها إعلانه، يقول شيخ ” اجعل كلامك مع الآخرين كالملح الذي يمنع العفن، وليكن قلبك ميناء يستريح فيه المتعبون من أمواج الجدل”.

         في النهاية لنتعلم من المسيح كيف نحاور الناس، وكيف نتواضع أمامهم، كيف نهتم بهم، وكيف نبحث عن المشتركات بينهم، لنجذبهم إلينا، المسيحي الحي هو الإنسان القادر أن يبحث عن المشتركات مع الآخر ويبني معه، أن يرى حاجة الآخر ويلبيها، ويبقى هذا السؤال: كيف نحاور الناس؟ وماذا نريد منهم؟