الطقوس والسحر

في فوضى المفاهيم والأفكار تدور أفكار حول الطقوس فيعتقد البعض ان الطقوس هي دينية فقط وبالأخص ان الكنيسة الارثوذكسية والكاثوليكية طقسية، اما الطوائف الإنجيلية فهي متحرر منها، والأمر الثاني يرى البعض ان الطقوس هي استدعاء القوى الإلهية بطريقة سحرية.

يهمنا ان نوضح اللغط حول الأمرين السابقين ما هي الطقوس ومن يؤديها؟ والامر الثاني هل الطقس عمل سحري فعند زياح بالايقونات مثلا ستتوقف كارثة ما؟

يعتقد البعض أن الطقوس هي ما تقوم به الكنائس التي تعتمد في صلواتها على أداء حركات دينية بوجود رجل الدين مثل الزياحات والخدمات الدينية عند الزواج والمعمودية وغيرها، لذلك يسمي البعض الكنيسة الارثوذكسية كنيسة الطقسية، معتقدين أن رجال الدين مرتبطين بالطقوس وعدم وجود الطقوس يعني بطلان وجودهم والعكس صحيح، ولكن اذا اردنا فهم ادق واعمق لهذا الكلمة، فكلمة طقس ليست مرتبطة بما هو ديني فقط بل كل ما في الحياة له طقس، فالعائلة لها طقوس ترتيبها وتجمعها حول مائدة الطعام، وحفلات الزواج، والانتخابات تتم بطقس، وطريقة الزواج عند المسيحين والمسلمين وغيرهم تسمى طقس، الأحزاب لها طقوس بتأدية القسم، الماسونية لها طقوس الدول لها طقوس امام الرئيس بتأدية اليمين الدستوري، والانجيليين انفسهم الذين يعتبرون ذاتهم متحررين من الطقوس لهم طقوس بالصلاة والزواج والدفن، فطريقة التجمع للعظة مثلا اهم مايقوم فيه الانجيليين فالتجمع حول القسيس لسماعها والصلاة بعدها هي طقس، فالطقس هو طريقة تأدية الجماعة لعمل جوهري يجمعها وتتمحور حوله معا، التحرر من الطقوس يعني الفوضى وعدم الترتيب واللياقة.

بعد مانرى في المعجم الجامع: معنى كلمة طقس الذي هو النظام والترتيب، وعدنا لأصلها اليوناني τάξις (تاكسيس) نرى أنها ترد في الكتاب المقدس عند بولص الرسول (1كورنثوس40:14) “ليكن كل شيء بلياقة وترتيب” كلمة ترتيب: هي (ταξιν) (2).

لم تخرج الكنيسة الارثوكسية يوما عن التعليم الكتابي اي تعليم الانجيل.

الأمر الثاني (واتكلم هنا حول طقوس الدينية وخاصة الارثوذكسية) اثارته ازمة كورونا فاعتقد البعض بايمان شعبي إن الزياحات التي تقام ومسحة الزيت والخ.. تدفع بالوباء بعيدا، ولكن رأينا الرهبان الذين غادروا جبل آثوس الى بريطانيا حاملين ذخائر القديس جاورجيوس المعظم في الشهداء، لدفع الوباء عن احد مدنها عادوا مصابين به، وكثر من الكهنة والمطارنة رقدوا بسبب اصابتهم بالوباء ذاته وقد سبق وتناولوا وصلوا واتم كل شيء وسمعنا بدير في جبل آثوس قد أغلق أبوابه حيث أصيب عدد من الرهبان بوباء كورونا.

لنفهم تماما الفكرة ولماذا تكوّن لدينا هذا الاعتقاد الخاطئ بسحرية الطقوس، يجب العودة إلى الجذور في العبادات القديمة و إلى روايات الخلق بالأساطير الوثنية فالطقوس لديهم كان هدفها سحريا وهو إعادة تنشيط قوى الالهة التي فعلت بالزمن الأول عند الخلق، وكان يتم التنشيط عبر أناشيد الميثولوجيا الموافقة مثلا: من يريد أن يتخلص من ألم الاسنان عليه أن ينشد احد القصائد المتعلقة بالخلق سبع مرات (1) وبالأساطير البابلية في رأس السنة كانوا يقرأون ملحمة ألياميش لأنهم كانوا يرون أن الفيضانات التي تحدث بالشتاء هي قوى الخراب التي كان موجودة البدء وقد عادت من جديد لتؤذي العالم، فكانوا يستدعون قوى الالهة الصالحة التي نشطت في زمن الخلق الأول ودمرتها لتسيطر عليها مرة أخرى

هذا التأثير العتيق مازال للأسف حاضرا بالذاكرة الشعبية وخاصة عندما نقرأ عند أحدهم أن المزمور الفلاني لتخفيف الالام الرأس مثلا أو غيره لتخفيف الم الولادة وكأن الله نائم يحتاج لمن يوقظه وخفتت قوته فيحتاج ل للطقوس لإعادة تنشيط القوة الأولى، وهذا ماحذر منه الرب”وحينما تصلّون لا تكثروا الكلام عبثاً مثل الوثنيين فإنهم يظنون أنه لكثرة كلامهم يُستجاب لهم. فلا تتشبّهوا بهم فإن الله أباكم يعلم بما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.”(متى٧:٥).

وهذا ما يمثلونه في كثير من الأفلام حيث يجتمعون في غرفة مظلمة ويتلون كلام ما ويستدعون قوى الظلام.

………

المراجع:

1. كتاب قول الرب نقي، ترجمة الأرشمندريت إيليا طعمه، صفحة 86.

2. راجع كتاب ترجمة بين السطور (عربي يوناني) للعهد الجديد، صفحة 836.