لم يكن ينقص المنطقة إلا كوارث الطبيعة، فكارثة الزلزال كارثة إنسانية مهولة وتاريخية في سوريا وتركيا، وللأسف أنها منطقة زلازل متكررة، ولاشك أنها مأساة رهيبة على السوريين، فيقول الدكتور طارق متري “كارثة بعد ظلم وتشريد فوق تهجير، ما أُنزل بالسوريين قل نظيره”(1)، ، وكان من الملفت لهفة السوريين في الداخل على بعضهم في هذه الكارثة، رغم الوضع المعيشي والاقتصادي المنهار في كل بلادنا.
لكن لأسف تم مباشرة توجيه الانظار من إنقاذ أرواح الناس حيث كل دقيقة تصنع فارق ويموت إنسان، إلى العقوبات الأميركية، بحجة أن العقوبات تمنع دخول المساعدات، فكان بيان رؤساء الكنائس “ارفعوا الحصار عن الشعب السوري”، بالإضافة لبيان مجلس كنائس الشرق الأوسط، الذي يوجد فيه عدة نقاط يمكن الإضاءة عليها في هذه المسؤولية التاريخية، على ضوء الإنجيل.
النقطة الأولى: توجيه البيان للأمم المتحدة كأنها هي التي تفرض عقوبات وحصار على الشعب السوري، والحقيقة لا يوجد حصار كما حدث في العراق سابقا مثلاً (النفط مقابل الغذاء)، وإن الذي يفرض العقوبات هي الولايات المتحدة بما يسمى قانون قيصر، وهو مفروض على مؤسسات وشخصيات وليس على الشعب، وهنا أول عثرة بعدم معرفة من واضع العقوبات وعلى من.
والنقطة الثانية: أكد البيان أن العقوبات الجائرة تمنع دخول المساعدات إلى سوريا، هذه الكلام يضع البيان والذين تبنوه بعدم مصداقية الطرح، إلا إذا كان طرحا شعبوياً، وخاصة بتأكيد تقديم تبرعات من كندا والمفوضية الأوربية وارسال مساعدات مباشرة من دول عربية، وما أكدته أميركا نفسها، والطامّة الكبرى أن وزير الخارجية السورية فيصل المقداد نفسه(2) أكد أن: “قرارات الأمم المتحدة واضحة في هذا المجال، أن المساعدات الإنسانية لا تخضع لأية عقوبات، وكل ما يساعد في مواجهة هذه الكوارث مسموح به، والقرار المتخذ في 10 من الشهر الماضي، يتيح إيصال أي مساعدات بغض النظر عن العقوبات” فما أكده وزير الخارجية يضع البيان في موقف حرج، وللأسف بدون مصداقية وجهل على الصعيد الدولي والخاص، خاصة إننا نتكلم هنا عن مستوى رؤساء ومجلس بمستوى دولي ذو تأثير أدبي وأخلاقي، بينما دعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك يوم الثلاثاء روسيا إلى المساعدة في الضغط على سوريا للسماح بدخول المساعدات الإنسانية لضحايا زلزال يوم الاثنين بسرعة ودون أي عقبات إضافية، فالمشكلة في مكان آخر.
النقطة الثالثة: أنتهى البيان “الإسراع بدعم جهود الإغاثة والإنقاذ، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية”، بما أن الكارثة الإنسانية والخطاب يضع الإنسانية السند، لماذا لم يتكلم أحد عن الأطفال والشيوخ والنساء والعائلات في محافظة إدلب السورية؟ ألا نقول في صلواتنا: الله يمطر على الصالحين والأشرار ويشرق شمسه على الصديقين والخطأة؟ ويقول يسوع ” أحبوا أعدائكم”، ألسنا نبني مؤسساتنا على قيم الإنجيل والإنسان؟ ولماذا لم ترسل مساعدات إنسانية إلى محافظة إدلب السورية، مع قافلة المتوجهة إلى حلب وحماه واللاذقية؟ هل قيم الإنسانية قيم نسبية تنطبق حسب التوجه السياسية، بينما شرعة حقوق الإنسان التي استند عليها البيان، تنص على كرامة الإنسان بمعزل عن انتمائه ومعتقدته وتوجهه السياسي؟ هل القيم اليسوعية قيم نسبية؟ بينما إرسال المساعدات كان ليؤكد أن البيان فعلا “بعيدا عن أي اعتبارات سياسية”.
سلبيات البيان أهمها
1. اعتبار صيغة البيان صيغة سياسية ومنحازة لطرف سياسي معين وبالتالي: التزام المؤسسة الكنسية بطرف سياسي مخاطرة، لأنه ما من طرف يستطيع القول إن تحليله الاجتماعي والسياسي والاقتصادي خال من الخلل، ولايحتاج إلى إعادة النظر أو التصحيح أو الرفض، وإن التزام الكنيسة بطرف سياسي، يحمّلها مسؤوليات كل الخلل في أيديولوجية هذا الطرف، لذلك ينبغي التمييز بين خوض الكنيسة في قضايا سياسية وابداء الراي فيها، وبين التزام بمنهج او أيديولوجية سياسي(3)، وبالتالي تصبح هي وأعضائها طرف في صراع سياسي تتحمل وزر فشله، بينما كان يجب أن تلتزم طرف القيم وطرف كل “إنسان آت إلى العالم”(يو7:1) جاء يسوع لأجله.
2. النقطة الثانية فقدان المصداقية أمام المجتمع الدولي خاصة، وبالتالي تعرض نفسها لمخاطرة أن تصبح المؤسسة الدينية وسيط غير مقبول بالمجتمع المدني، لأنها بالنسبة للمجتمع الدولي التزمت طرف سياسي، مما يصعب عملها وبشارتها باسم المسيح، ومن أجل الإنسان والإنسانية في المجتمع، ويعيق عمل المنتمين لها في بلاد الاغتراب.
خلاصة: لا أقول أبدا أن تبتعد الكنيسة عن أخلاق السياسة بل عن السياسية، فكما يقول غاندي: “إن أولئك الذين يدعون أن لا علاقة مشتركة بين الدين والسياسة لا يفقهون من أمور الدين شيئا”(2) الجامع بين الدين والسياسة هو خدمة الإنسان أيا كان دينه وعرقه وموقفه، لذلك الكنيسة دورها بالعمل من أجل الإنسان لا من أجل مواقف سياسية تتبدل في عوالم الدول، فتتأذى وتؤذي، فيقول البطريرك اغناطيوس هزيم “الكنيسة الارثوذكسية تسير على خطى رؤسائها، وهم وحدهم إما أن يعطوها حياة، وإما أن يخنقوها كما يحصل في كثير من الأحيان”(3)
السؤال الواجب من هو الطرف الذي يفضله الله في هذه الكارثة وينبغي للكنيسة العمل من أجله؟ لذلك يجب على الكنيسة أن تحمل برنامج عمل سيدها الذي جاء لكل إنسان في هذا العالم، فإن لم تكن قيم الإنجيل صالحة لأخلاق السياسية فهي ليست صالحة حتى للصلاة، وإن كان ما نؤمن فيه لا نسلك فيه فنحن في انفصام وانخداع، وإن لم تكن الكنيسة كنيسة الإنسان، تصبح عبئا في الوجود.
————————————-
المراجع:
1.الدكتور طارق متري، صفحته الشخصية على تويتر.
2. مقابلة وزير الخارجية السورية على قناة الميادين بتاريخ 7/2/2023
3. كتاب لاهوت التحرير الأرثوذكسي، النموذج الروسي، الاب سامي حلاق اليسوعي، دار المشرق، دراسات لاهوتية، بيروت لبنان، 2001، 17.
3.أديب مصلح، السياسي القديس المهاتما غاندي، سلسلة النوابغ 1، منشورات المكتبة البوليسية، طبعة أولى1992، 394.
4.أغناطيوس الرابع هزيم، نفحات انطاكية، خطاب البطريرك في الفاتيكان ١٩٨٣، ص 336.
5.الكنيسة والدولة، جورج خضر/س.ترويتسكي، تعرف إلى كنيستك 3، منشورات النور،1982