النور المقدس والإيمان الشعبوي

يخرج كل عام في السبت العظيم المبارك فيض نور من القبر المقدس (قبر السيد المسيح)، ويثير هذا الحدث الكثير من التساؤلات، وخاصة عندما يتحول الكلام إن القيامة تتحقق عند فيض النور، وبالتالي يحدث لنا إشكاليتان، الأولى تفريغ الدفن الثلاثي الأيام من لاهوته، والثاني تحويل اللاهوت إلى إيمان شعبي يندفع نحو المعجزات، ويصبح الإيمان مرتبط بالمعجز، بالإضافة لتنامي فكرة إله القبيلة.

في البدء إن الكنيسة الأرثوذكسية تحتفل بالقيامة من يوم الجمعة العظيمة حيث يرتل قطع سحرية القيامة الله الرب ظهر لنا، وتبريكات القيامة والمجدلة الكبرى، وهذا الابتهاج بالقيامة هو التعبير عن تحقيق التدبير الخلاصي”لقد تم” ” فروح المخلص نزلت إلى الجحيم وهو بشر الأرواح التي هناك (أع24:2)، فالمسيح لم يأتي ليبشر الأحياء بالخلاص بل والأموات والأكثرهم سوءا الذين قضوا في الطوفان(1بط20:3)، وبالتالي المسيح دخل إلى الجحيم وحطم امخاله الدهرية، يقول القديس يوحنا ذهبي الفم “اليوم جال المخلص في كل أرجاء الجحيم اليوم خلع الأبواب النحاسية وحطم أقفاله” فأشرق النور الإلهي للساكنين في أرض السقطات وأبصرن النور.

سبت النور يغير المفاهيم، يتغير مفهوم الموت ويتغير مفهوم القبر، لم يعد الموت ظلمة ولم يعد القبر يرمز إلى الهاوية والظلمة، بل منه أشرق نور وبالتالي هو رسالة للأحياء إن ماتعتقدونه باب الجحيم هو يشرق لكم نورا وبالتالي لم ينار فقط مكان الظلمات  بل صار يفيض بالنور

الظهور النور الإلهي الذي يسبق يوم القيامة، لا يأخذنا لإعلان قيامة المسيح بالجسد، بل للإعلان قيامة من في الجحيم كل الأبرار من آدم وحواء إلى إبراهيم إلى يوحنا المعمدان

فبدلاً من أن يُقاوم الخطاب الديني تلك النزعة الشعبية المندفعة نحو الخُرافة بخروجها عن إطار الوحي والعلم إذا به يُسايرها، مستميل الذوق العام، الشغوف بكلّ غريب، المتطلع إلى اكتشاف أسرار عالم الغيب (أحد الكتاب)

الأصل في الخطاب الديني مقاومة النزعة الشعبية نحو الخُرافة بخروجها عن إطار الوحي والعلم لا مسايرتها

ففرْق كبير بين الدين/ الوحي المقّدس في نصوصه الأصلية التي أكّد علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنها “لا تنطق بذاتها، وإنما ينطق بها الرجال” وبين الفكر الديني غير المُقدّس الذي يُمثّل محاولات عقل الإنسان الاجتماعي التاريخي؛ لفهم معاني الوحي، فينبغي أن نحذر من دمجها في المقدس، والتّعالي بها عن الدراسة العلمية التي تكشف عما يكتنفها من صواب وخطأ وحقيقة وأسطورة، بما في ذلك تُراث المفسرين”

ودرجت هذه الظاهرة في لبنان وسوريا منذ فترة قريبة، وبات جمهور من الناس ينتظرها بشغف. ما نخشاه في هذا السياق هو أن يندرج هذا القبول لدى العامّة في إطار تنامي الدين الشعبيّ على حساب اللاهوت والفكر الكنسيّ المستقيم. والمقصود بالدين الشعبيّ هو الدين الذي يهزّ مشاعر الناس بأمور حسّيّة وغرائبيّة تلامس السحر وتحرّك الغرائز الدفينة في أحيان كثيرة. وما نخشاه أيضًا هو أن يتمّ وضع ظاهرة النور المقدّس في إطار تأكيد الهويّة الدينيّة عبر طمأنة مَن يعتقد بها بصحّة إيمانه وتفوّقه على سائر أبناء الكنائس الأخرى، وبصحّة توقيته للفصح وبخطأ ما تبقّى من المسيحيّين، وهذا ما يعزّز الشعور بالتفوّق والاستعلاء. “فاعلموا أيّها الأمم وانهزموا لأنّ الله معنا”، والدليل القاطع قد سطع من القبر المقدّس!