نقد التقليد الكنسي والموروث المقدس

الاب لعازر عبود

النقد هو عملية تحليل لنصوص وإعادة قراءتها، وتمييز فيها جوهرها وظروف كتابتها، وفهم محتواها فهما جديدا، هذا النقد ينطبق على كل نتاج الانسان الفكري حتى اللاهوتي منها، وقد خضع الكتاب المقدس إلى عملية نقدية قاسية، فالنقد يعمل على فهم ماذا يريد الكاتب واستخراج المعنى، وفهم كيف نمى فكر ما في حياة الكنيسة وسبب نشاته وضرورته في حياتها اليوم، واخضاع التقليد لعملية نقدية والموروث الكنسي يخرجنا من إشكاليات التي وقعنا فيها:

1. بالجمود، فلا نعالج الحالات الاجتماعية والرعائية والكنسية المستجدة اليوم على ضوء الاحداث التي كونت الفكر الكنسي في عصر ما.

2. بالمحافظة، أي ان لا يكون الحاضر تحت سلطة الماضي، وبالتالي نخضع لروح ناموسية جديدة ونقتل الروح المواهبية، وبالتالي يرى المحافظون أنفسهم اطهارا مطبقين للناموس الجديد وينبذون كل مختلف.

3. خلق توجهات دينية جديدة بعيدة كل البعد عن الروح المسيحية، وتنعزل عن الواقع.

4. النمطية والتكرار (لاهوت عقيم). 5. المستقبلية، وقراءة الحاضر على ضوء نهاية الزمن.

للفهم أكثر علينا ان ندرك ما هو التقليد، وما هو الإرث المسيحي؟

التقليد: هو تماما “يُحاوِلُ تَقْليدَ الآخَرينَ : أي السَّيْرَ على مِنْوالِهِمْ”، لكن هنا من هم الاخرين، وماذا نقلد عنهم؟

الآخر هو الله الآب ويسوع المسيح، التقليد هو أن نعمل العمل الإلهي: ” العمل الذي اعطيتني إياه اتممه” اول مقلد هو يسوع “أعمل عمل أبي”، أما الموروث (الكتاب المقدس، التفاسير، المؤلفات الطقسية، المجامع..) فهو كيف تم هذا العمل؟، التقليد هو ما تسلمته الكنيسة في العنصرة وهو الروح القدس الذي يجعل عمل يسوع حي في العالم كما يعبر المتربوليت بولس يازجي، هو ليس حفظ معلومات وتناقلها، التقليد الحي متابعة عمل يسوع في اعمالنا، أي التقليد ليس حفظ الإرث وتناقله وحفظه، لأن الموروث هو تدوين كيف اتمننا عمل يسوع، فالكتاب المقدس هو من ضمن الإرث الكنسي يشرح لنا كيف عمل يسوع عملَ الآب، وكيف التلاميذ عملوا عمل يسوع، كتابات الأباء وغيرهم هو شرح لكيفية اتمام الكنيسة عمل يسوع (التقليد)، التقليد هو الحقيقة الموروث هو الصيغة، التقليد هو العمل والموروث هو تدوين عمل الماضي. اشار احد الاساقفة في مجمع قرطاجة ٢٥٧(الرب قال: انا الحق ولم يقل انا العادة او التراث).

عندما ندرك معنى التقليد، ونفهم ان الموروث بتنوعه هو نتاج عمل الانسان ومتأثر بعوامل التاريخ البشري والحضاري في محاولة التعبير عن إتمام عمل يسوع ولم يأتي منزل بل تطور ونما في ظل ظروف مختلفة، فهو متنوع مختلف حسب البيئات ويجب ان يتبدل ويتغير، ونفهم ان المحاولات البشرية في كثير من الأحيان فشلت بالتعبير عن الحقيقة الإلهية ودونت اعمالا ليست هي عمل يسوع وأدخلت فيها كثير من الشوائب بتأثير اليهودية وغيرها من الأديان والفلسفات على مدى التاريخ، وفيه كثير مما هو محض انساني وفي احسن الاحوال آراء تقوية ولكنها ليست جزء من الارث الشريف الواحد الحامل العناصر الاساسية للرسالة المسيحية (كما يقول المتربوليت كاليستيوس وير)، وبقي ضمن الموروث الذي حملته الكنيسة، من هنا ندرك حاجتنا لعملية نقدية حقيقة لكل إرث الكنسية لإخراج ما علق فيه على مر السنون، ومن المستغرب اليوم كيف يقوم الارثوذكسيون بإتقان علم نقد الكتاب المقدس ونزع القدسية عنه لدراسته، بينما عاجزون عن نزع القدسية عن الإرث المسلم لنقده وتوضيحه وإخراج ما فيه من زؤان دخيل، و كثيرة الأمثلة كثيرة التعليم حول نجاسة المرآة، المفهوم اليهودي للزمن، مفهوم المسيح الدجل، فكرة القسطنطينة المدينة المقدسة، الشعب المختار، خلاص الأرثوذكس وحدهم، والكثير منها ومن ناحية ثانية الا يتوجب علينا فهم صيغ العقائد فهما جديدا حيا، فماذا تعني بتولية العذراء او طبيعتي المسيح او مشيئتي المسيح لإنسان اليوم، لا بل ماذا تعني هذه العقائد اليوم؟ لماذا الأرثوذكس يخافون من عملية نقدية للموروث المقدس وبعدما اجروا عملية نقدية للكتاب المقدس؟ هل الموروث المقدس هو منزل معصوم عن الخطأ هل يرى الأرثوذكس الموروث اعلى من الكتاب المقدس؟ أم الموروث يحمل قدسية لا يمكن المس فيها؟ هل نتاج الاباء وكتّاب الكنيسة منزه، بينما الكتاب المقدس كان يحتاج للنقد؟