مازالت فكرة القسطنطينية وأمجاد بيزنطية عالقة في ذهن بعض المسيحين، ويرون اليوم في محاولة تحويل كنيسة آية صوفيا إلى مسجد وإقامة الصلوات فيها، إساءة للمسيحية ولحضارتها وكأن وجه المسيحية مجد الأمبراطور وليس وجه يسوع، هناك نبوءات منسوبة لهذا وذاك بعودة الكنيسة، ورجاء بعودة مجد بيزنطة الكبير فتقول إحدى النبوءات التي أشك شخصيا بصحتها ” تركيا ستزول وجيش مسيحي يحرر القسطنطينية وثلث الأتراك سيقتل” هذا الكلام يوضح تماما أن كل بناء مجد أرضي لا يبنى إلا على سفك دم الآخر، أما عندما شاء المسيح بناء مملكته وملكوته سفك دمه على الصليب ليحي كل إنسان أت الى العالم.
كل هذا الرجاء اليوم ليس إلا إعادة لتجربة اليهودية الأولى، فالله منذ إبراهيم دعاه إلى “أرض التي أريك” وقال لموسى لأخرج شعبي إلى أرض خصبة جيدة ولكن فيما بعد أراد الشعب بعهد صموئيل النبي ملكا عليهم وبالتالي بناء مملكة أرضية ، فقال الله لصموئيل ” لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا”…. والله أراد ان يكون هو ملكهم ولكنهم قالوا: نكون نحن مثل سائر الشعوب ويقضي لنا ملكنا ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا” (1صم20:8)، ثم صار لديهم مملكة وملك ولكن احتلتهم دولة أقوى وسَبِتهم، وبالسبي بدأوا يحنون للعودة إلى المدينة وبناء مجدها وبناء الهيكل، فاليهودية ترتبط بالهيكل وبالذبائح فيه فإن لم يبنى الهيكل لا تتم أصول الدين. ولم يفهم اليهود وجودهم إلا مرتبط بدولة وملك لذلك عندما جاءهم يسوع صلبوه لأن لم يكن ملكا بعسكر وسجن.
اليوم يكرر المسيحيون ذات المشكلة ” يحنون إلى المدينة التي سقطت، يحنون للعودة لجغرافية الإمبراطور، وإلى كنيسة الامبراطور” ويرثونها كما رثى ارميا اورشليم” كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب”(مراثي ارميا1:1)والمفارقة أمرين
الأول أن الإمبراطورية كانت وثنية، لم تولد مسيحية بل تمسحنت عندما تمسحن الامبراطور، المملكة على دين ملكها، اذن لم تنشا المسيحية قوة سياسة، فهذا الموضوع لم يكن ضمن مجال تفكير المسيحية الأولى وليس من صلب المسيحية التي أرسلت ” اذهبوا وتلمذوا كل الأمم”(مت19:28) معلمة للأمم.
الأمر الثاني إن الدولة المسيحية ائنذاك اخذت كثيرا من أماكن عبادة الآخرين عنوة وحولتها إلى معابد مسيحية
إذا كنا نسعى لمكان ارضي، لماذا نسعى لكنيسة الامبراطور وأثار انجازاته، واثار أماكن الرب حيث تجسد وقبر وتالم موجودة؟ وكنيسة قبر رب المسيحية ها هي؟ إن الرغبة بالعودة لتلك المدينة أليست هي رغبة بأن نكون أمة كسائر الأمم ذو ملك يسير امامنا ويحارب حروبنا؟ وأليس نسيان حيث صلب يسوع، يعني إننا نسينا بشارتنا بأننا كنيسة المصلوب وكنيسة ليست من هذا العالم. ونسينا اننا كنيسة تجسد الابن وليست كنيسة عرش الامبراطور.
هل علينا أن ننسى آية صوفيا والقسطنطينية، لا بل يجب علينا أن نتعلم من التاريخ أن المسيحية لم تولد لتكون قوة في العالم تتملك المجد وليس لنا مدينة باقية (عب14:13)، يجب أن نرمقها كلما داهمنا فكر القوة والمجد الأرضي لنفهم أن كل قوة بشرية زائلة وكل مجد يبنى على قوة سياسية هو مجد الفراغ والحجر، ولا ننسى أن الامبراطورية التي حكمت باسم المسيح ما زلنا نعاني من أثار انتقامات من قتلتهم باسم المسيح إلى الآن. هل ستعود؟ السؤال الأهم لماذا نطلب ان تعود؟ والعالم كله للكنيسة حقل بشارة وعمل؟ لماذا نخسر مجد الله لأجل العالم؟ لماذا تخسر مهمتها بعنصرة العالم ألكي تسود على العالم بقوة اهل العالم؟ أم ليسود عليها امبراطور بدل من اله؟
إن انتهاء أن تكون آية صوفيا كنيسة العاصمة الامبراطورية هي درس يعيدنا إلى الحرف الأول من الانجيل، إلى كلمة يسوع، إلى أن الكنيسة خلقت لتكون في البرية في برية العالم ” البرية حيث لها موضع معد من الله”(رؤ6:12) وأنها خلقت لأجل العالم وان تحمل خطايا العالم.
يجب أن يذهب كل أثر ورجاء بعودة المجد الأرضي لكي تعود المسيحية إلى حب يسوع الختن المصلوب ويبُشر باسمه، لتعود إلى البرية الأولى، مسيحية همها الأوحد بناء سفينة الخلاص لا بناء مملكة تفرض شرع الله، يجب ان تتحرر المسيحية من سطوة المجد العالمي من التاج والصولجان من ثوب الملك ومن عرش الملك، وأن تعود للبرية تتوسل مجد الله، لا تتوسل مجد الامبراطور.