الأب لعازر عبود
يشرح معجم الوسيط الاستبدادَ لغة: هو اسم فعل استبدّ، ويتجسد الاستبداد في شخص أو فئة: استبد به أي انفرد به. ويقول محمد عبده: المستبدّ يفعل ما يشاء غير مسؤول، يحكم بما يقتضي هواه، وافق الشرع أو خالفه. أما الكواكبي(1) فيقول: “الاستبداد لغةً هو غرور المرء برأيه والانفة عن قبول النصيحة أو هو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة”. لذلك نرى أن طبيعة المستبدّ هي الاستخفاف بعقول الاخرين ولسان حاله يقول “إني أعلم ما لا تعلمون”، والسخرية منهم ومن آرائهم، وتبديل الحقائق. المستبدّ يغزو قلبه عنصر كبرياء فيصفه البطريرك اغناطيوس هزيم بقوله: “أنا كل شيء وسواي ليس شيء، أنا أضع الله في جيبي وما في جيب سواي ليس بشيء، انا حبيب الله المدلل وسواي مكتوب له ان يكون وقودا لجهنم”، ليس هذا فقط بل يعمل الطاغية الديني على إبقاء رجال الدين الذين تحت يديه فقراء مشغولين بالبحث عن قوت يومهم لئلا لا يفكروا ولا يُعمِلوا العقل، فينشغلوا بهمومهم عن أخطائه وانحرافاته.
أما داء الاستبداد الديني ونتكلم كنسيّا فهو أن يجعل الإنسان نفسه مشابهاً ليسوع الذي ساوى مشيئته مساواة كلّية بمشيئة أبيه. وبالتالي فإنّ دواء الاستبداد هو مشاركة الاخرين في رأيهم وشورتهم وطاعة الجماعة وإعطاء المجد لله (لأن غاية السلطة هو تحقيق مصلحة من تُمارَس السلطة في سبيله، أي الشعب).
والاستبداد الديني أشد خطراً وهولاً من الاستبداد السياسيّ، فالثاني يسيطر على الجسد ومن السهل كشفه ومن السهل التحرر منه، وأبسطها أن تخرج من نطاق نفوذه، أما الأول (الدينيّ) فيسيطر على الفكر والقلب، ويغتذي بضرورة من سلطة تُعتبر كلمتها حقّة وإلهية، لذلك تراه مستحكما بقلوب الناس، فأين تهرب إذا استُعْبِدَ القلب والقلب في ترحال معك؟
المستبدّ تساعده الظروف أحيانا، لا يستبدّ إلا إذا أتيحت له معطيات ما، فأعوانه يمدحونه بكل شيء ويعظّمون شأنه، ويُعَلّون رأيه وحكمته، فيرى نفسه أنه “ظلّ الله على الأرض”، هو مرتاح الضمير لأنه يشعر على الدوام إنه على حقّ، ويفحم أُناسا لا يجرؤون على رفع صوتهم بوجهه، كما يرى الفيلسوف جان روسو.
المستبدّ مصاب بنرجسية. يقول البابا فرنسيس:” الحقيقة تكمن في أنّ أكثر المصابين بالنرجسية (التي هي في الواقع اضطراب عقلي)، هم أشخاص يتمتعون بالسلطة والنفوذ، وغالباً ما يكون القادة نرجسيّين”. وعندما يسأله صحفيّ: هل العديد من قادة الكنيسة كانوا كذلك؟ يجيب البابا أنّه غالبا ما كان قادة الكنيسة نرجسيّين متملَّقين يثيرهم بطريقة خاطئة رجال حاشيتهم، الحاشية هي بَرَص البابويّة”(2)، ويقول القديس يوحنا السلمي: لاحظ جيداً تجد انّ هذا الهوى الأثيم زاهرٌ حتى القبر في الألبسة الفاخرة والطيوب والمواكب والعطور وغيرها.
السبب الثاني للاستبداد الديني هو تفسير خاطئ لآيات كتابيّة وتعالم روحيّة، فمثلا: عندما الدخول بنقاش مع أحد القادة الكنسيين، عن قرار أُتخذ خطأ، وعند عدم القدرة على تقديم جواب قانونيّ يبرّر الفعل، يجيبك: “اطيعوا مدبريكم” وهو قول بولسي، ولكن أيضا يقول بطرس الرسول: الطاعة لله. إنّ محاولة فرض الرأي بعد العجز عن اثباته بالحجة يتم بالاستناد إلى آيات الكتاب المقدّس لتقديم طاعة عمياء “لا تناقِش”، وإلى تفسير خاطئ لآيات الكتاب وخاصة التي تنادي بطاعة الرؤساء.
فمثلا، يقول القديس يوحنا السلمي عن الطاعة: “الطاعة نكران للنفس….الطاعة تخلي عن التمييز [ويقصد التخلي عن التمييز ]: أن تطيع فيما يبدو هو سيء كأنه حسن(3) “، ولكن هذه الكلمات يجب أن تُستَخدَم في مكانها وسياقها فلا يمكن إسقاطها بكل حدث، إذ يجب أن نفرّق تمامًا بين الطاعة الديرية التي تكلّم عنها القدّيس السلّمي، وبين الإدارة. وكذلك يرد في الكتاب المقدس “أيها الأولاد اطيعوا والديكم في كل شيء لأن هذا مرضي في الربّ” (كول20:3)؛ ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيّين “أطيعوا مرشديكم واخضعوا لانّهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13)، وتستعمل هذه الآيات أو مفهوم الطاعة عامّة، لإخضاع الاخرين، في حين أن الطاعة تربوية، ولا تدخل ضمن العمل الإداري، يقول البطريرك اغناطيوس هزيم: “وإن كنت أوحي إنني طائعٌ ولكنّي لم أكن تابعًا”(4) ويقول أيضا ” كان يجب عليّ أن أقف في وجه رئاستي الروحيّة”(5). هكذا يجب أن تقترن الطاعة مع التمييز، فالطاعة بدون تمييز عبودية، فلم يكن البطريرك تابعًا لفلان او فلان، إذ حيث كانت تستدعي الضرورة الشهادة للحقّ الإلهيّ والضمير، كان يقف ضد السلطة الروحيّة. مفهوم الطاعة المنحرف هو الخضوع العسكري، بينما المفهوم الحقيقيّ يعني الإنصات.
تقول سوزان دي ديتريخ بكتابها القصد الإلهيّ “الوالدان في عائلة مسيحيّة يأمران بالمسيح والأولاد يطيعون بالمسيح ، أي ان الطاعة والأمر هما فقط لأجل المسيح ومجده، أمّا إذا خيّر ضميرنا بين المسيح من جهة والسلطة (عائلية، أو كنسية: أسقفية ومجمعية وبطريركية، أو مدنية) من جهة أخرى، فالإنسان غير مُقيّد بواجباته البشرية، لأن لا شيء يبني كرامة الخادم وحريّته ويساويه بالإنسان الحرّ أكثر من الوعي إنّه بالنهاية مرتبط بالله وحده… عندما تنسى أي سلطة بشريّة أنّ هناك سلطة مطلقة فوقها، فتصبح هدفا لذاتها وشرعة خاصّة بذاتها، وبتعبير آخر تؤله ذاتها، تكون انقلبت في مثل هذه الحالة إلى قوّة من قوى المسيح الدجال والوحش الذي يتحدث عنه سفر الرؤيا، وفي هذه الحال ينبغي أن تُقاوَم حتى الدم إذا لزم الأمر(6).
كلّ المراتب البشرية سواء في العائلة أو في الكنيسة أو في الدولة، ترتكز على قاعدة السلطان المطلق الذي للمسيح نفسه، لذلك المؤمن الذي يخضع لسلطة بشريّة يخضع لها في المسيح “أطيعوا بالرب”، أما إذا تجاوزت هذه السلطة البشريّة حقوقها واغتصبت حقّاً ليس لها، وبدل أن تكون أداة لتحقيق الأهداف الإلهيّة، انتصبت لتقاومها وتحاربها، فإنّ واجب المسيحيّ أن يقول قول الرسول “ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس”(أع29:5) لأنّه لا يمكن أن يوجد سلطان بجانب سلطانه إلا اذا كان متمرداً عليه، “فالمأساة”، كما يقول المطران جورج خضر، “أنّ الكنيسة قرين هؤلاء الرجال الجالسين في الهيكل الذين يتصرفون ويُظْهِرون أنفسهم آلهة (2تس4:2) وهم معثرةٌ دائمة”.
في النهاية السلطة الدينية هي ليست بشيء قائم بذاته، هي لا تأتي بسلطة من الله لتحكم نفوس الناس، إنما تخرج من الناس لتقودهم إلى حقّ يسوع، وهي إنّما انعكاسٌ لنور الله وكلمة الكتاب المقدس، وهي ملتزمة بالطاعة التي هي بالنهاية لله وحده، ويصدق هنا قول القائل “أطيعوني ما أطعت الله بكم”. ما عدا ذلك فهي باطلةٌ وإن كانت قراراتها نافذة بحكم سطوتها واتكائها على السلطة السياسية. إن الاستبداد الدينيّ، فئةً او شخصًا، والذي يتحول إلى نهجٍ وفكر، يستخلف استبداداً، فيتغلغل مع العمل الكنائسيّ ليصير العائق أمام وجود المسيح في حقله، وضربٌ لأساس الفكر المسيحي “حرّية أبناء الله”. ونلاحظ أخيرًا، أنّ الاستبداد يقع في سلوكيّة شبيهة بهرطقة المشيئة الواحدة، حيث مشيئة تبتلع الأخرى، ومشيئة الشخص تبتلع مشيئة الجماعة، ومشيئة الجماعة تسود على مشيئة الشخص.
المراجع:
- 1. عبد الرحمن الكواكبي، طبائع لاستبداد، صفحة 30
- 2. البابا فرنسيس، الكنيسة في عهدة الاسيزي وبرغو وليولا، المطران ادمون يوسف فرحاتى رئيس أساقفة بيبلوس شرفا السفير الباباوي، الخوراسقف أنطوان فريد شبير، منشورات 2015، ص105.
- 3. يوحنا السلمي السينائي، سلم السماء، دير الشفيعة الحارة الحرش بدبا، 2011، ص260
- 4. أغناطيوس الرابع بطريرك انطاكيا وسائر المشرق، حوارات1979-1988، ص32
- 5. اغناطيوس الرابع هزيم، نفحات انطاكية، ص170
- 6. سوزان دي ديتريخ، القصد الألهي، تعريب غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع ورهبنة دير الحرف، دراسات كتابية 10، منشورات النور، طبعة ثالثة، ص183.