الأب لعازر عبود
يثير التفكير النقدي عند البعض الخوف والقلق ويبدي البعض رغبة في عدم اجراء أي عمل نقدي على جميع المستويات ، لأنهم يرون النقد انه فعل معارض او رفض وانتقاص، ولكن عدم اجراء عمل نقدي هذا امر بحد ذاته يثير مخاوف كبيرة، لأنه بالضرورة يعني أن الحرية غير ممكنة، فتشكُل الكنيسة مبني على الجماعة المتعددة المواهب والمختلفة اللون والنهج ومبنية على حرية أبناء الله وغير مبنية على عصمة الجسم البشري، ورفض النقد هو احد عوامل الرئيسية لركود الفكر خصوصا الديني، ورفض الآخر ورأيه بل عدم قبوله مشاركا في البنيان، يقول جورج خضر “عقل انسان واحد او فئة واحدة تحكم لا يستوعب الحق بالضرورة وإن هذا الحق يستقى بالتشاور” (1)
ماهو النقد؟ ماهي سماته؟ وهل من احد فوق النقد؟
النقد هو دراسة فعل ما أو نص ما أو مجال ما لتوسيع فهمه وتوضيحه، فمثلا يعنون الدكتور أديب صعب أحد كتبه “دراسة نقدية في فلسفة الدين”، وعبد الرحمن البدوي عنوان كتابه “نقد التاريخ” ومجال لاهوتي كامل اسمه “نقد الكتاب المقدس” وهذا ما يدرسه كل طالب لاهوت في البلمند وغيره من المعاهد. ولا يغيب عن ذهننا ان شخصية المسيح ذاتها تم دراساتها ونقدها.
ومن سمات التفكير النقدي ألا نقبل نتيجة معينة إلا بناء على سلامة عملية الاستنتاج التي تؤدي إليها وصحة خطواتها كما يقول الدكتور اديب صعب(2) ويشير مفهوم التفكير النقدي كما يشرح البعض إنه القدرة على استخدام المعرفة والمعطيات وهو عملية تفكير في كل ما يعرض او يحدث من أفكار ومشكلات ومشاهد تحلل تحليلا منطقيا وواقعيا بتجرد، وإعطاء نتيجته، وبالتالي ليس بالضرورة رفض العمل، بل من ناحية أخرى تأكيده وتثبيته والشهادة له باستقامته، فالنقد ليس فعل سلبي بل هو عمل يحمي الجماعة ككل ويساعد المسؤولين.
فالتفكير النقدي ميز المعلمين الكبار ومنهم سقراط وافلاطون ورينيه ديكارت، أما كنسيا القديس يوحنا ذهبي الفم الذي أجرى عملية نقدية وإصلاحيه للقداس وقداسه شاهد عليه، اما في الكتاب المقدس فنرى ان الرسائل السبعة في سفر الرؤية هي نقد لأعمال ملائكة الكنائس السبعة، وكلام بولس الرسول لبطرس عندما حابا وجه اليهود.
ولا شك ان المنع الكامن والظاهر له، هو رفض وصول الاخر إلى تقييم سلامة عملية ما، وبالتالي يصبح النقد هو ضرورة لأننا نرفض أن يعتبر الراعي نفسه قائما مقام الله، قد نطيع إن رأينا الله يتخلل إلينا منه، لكن أن يحجب الالوهة عنا بتصرف غير لائق وأن يدعي ان الفعل الذي يأتيه إلهي امر لا نطيقه كما يقول المطران جورج خضر(3). وهذ لا يعني أبدا رفض الكنيسة او الإدارة الكنسية بل يعني ان يكون الكل مشاركا بالعمل أيا كان من ناحية وأخرى، فعلى المسؤولين ان يقبلوا النقد كونهم يدركون انهم بحاجة للأخرين ليلزموا العدل كما يقول أيضا المطران جورج خضر، وانهم يسمعون الاخر ويعملون لأجله، فيشكل للمسؤولين إشارة تضيء على أماكن قد حدث فيها خلل او على الأقل يتم الإضاءة على سلوك ما او عمل ما يجب إعادة قارئته أو يجب العودة فيه خطوة إلى الوراء، أو تأكيد أيضا ان المسار صحيح، لأنهم لا يعملون لأجل أنفسهم من موقع الخدمة بل لأجل كامل جسد المسيح.
النقد هو ضرورة لا بل هو حاجة ملحة وهو الذي يقيم قبول عمل ما او رفضه، وبما اننا قبلنا بدروسنا اللاهوتية نقد الكتاب المقدس أي نزع القدسية والعصمة عنه، والتعامل معه كأنه كتاب عادي ومؤلفه بشري محض والغوص في أعماقه لفهمه اكثر، فما بالنا ننزع القدسية عن الكتاب المقدس ونلبس ثوب العصمة لأشخاص أيا كانت مراتبهم الكنسية الكهنوتية وهم ليسوا بأعلى من الكتاب المقدس ولا أقدس منه.
المراجع:
1.جورج خضر، حديث الاحد، الانسان في مصيره واخلاقه، الجزء الثالث، منشورات النور 1986، ص93.
2.أديب صعب، دراسات نقدية في فلسفة الدين، دار النهار، طبعة أولى 2015، ص22.
3.المرجع السابق، صفحة225.