تجريد خارج المحراب

الأب لعازر عبود

اتخذ المجمع الأنطاكي بالأمس قرارا بتجريد مطران متقاعد، مبرراً القرار، إن المطران السابق ادعى قيام حقوق لصالحه على أصول وأموال عائدة للأبرشية دون وجه حق، والتوجه للقضاء المدني في الولايات المتحدة الأميركية، واعتبر الآباء في المجمع أن هذا التصرف لا يليق بمطران حيال الأمور المالية، وقد وجد الآباء هذه الأفعال مخالفة لروح الكتاب والشرع الكنسي ومذنباً بالتالي:

1.سوء التصرّف كاكليريكي(مطران متقاعد) بشأن الملكية العائدة للكنيسة وحيال الأمور المالية.

2. إقامة دعوى بوجه الكنيسة أمام المحكمة المدني.

هذا القرار يأخذنا للإضاءة على عدة نقاط لا أكثر

النقطة الأولى: واضح من القرار استسهال تجريد مطران الذي نعتبره في الفكر الأرثوذكسي “حيث يجتمع الأسقف تجتمع الكنيسة”، وتجريده بدون محاكمة حسب الأصول القانونية المنصوص عليها في القانون الأنطاكي، تجريد مطران يحتم اتخاذ إجراءات قانونية ومحاكمات(1)، والذي ينص على التالي: “المادة 13. يتقبل البطريرك ما يرد إليه من الشكاوى الخطية التي ترفع إليه بحق المطارنة أو الأساقفة ويرجع لتقديره أن يحيليها إلى المشتمكي منهم لاستماعه جوابهم بشأنها، فإذا كانت الشكوى الخطية بحق رؤساء الكهنة تتضمن عملاً يشكل جرماً يقع تحت طائلة القوانين الكنسية يحيلها البطريرك إلى المجمع المقدس للفصل بها”

وإجراءات المحاكمة والتجريد تتم عبر مجموعة معايير دقيقة(راجع كتاب الأسقف في الكنيسة)، وتقدم شكوى عبر طرف مُشتكي، ثم تأخذ مسارها القانوني بتشكيل محكمة ويكون فيها المدعي والمدعي عليه ويسمع جواب الطرفين وهذا يأخذ مسار ليس بقليل، كأي محاكمة، وكل هذه العناصر لم نراها لا في هذا القرار ولا في التجريد السابق، ولكي يكون القرار الصادر والنافذ قانوني يحتاج لمسار قانوني، فالغاية وإن كانت صالحة يُفسدها المسار إليها إن كان فاسداً، القرار القانوني يحتاج لمسار قانوني وإلا يصبح فاقد لقانونيه وإن كانت نافذة بحكم السلطة.

النقطة الثانية هل اللجوء للقضاء المدني والسلطة المدنية يعتبر جرماً؟ ألا تلجأ السلطة الكنسية للقضاء المدني، هل يمكن للكنيسة مثلاً أن تحاكم قاتل وتأخذ قراراً بسجنه هل هذا من عمل القضاء الكنسي؟ إذا سرق للكنيسة أموالاً هل يمكن أن تصدر قراراً بسجن سارق مثلاً واستعادة الأموال منه، أما هذا من عمل القضاء المدني؟ ومن ناحية ثانية كل قرار تأخذه الكنيسة ليصبح فاعلاً قانونياً يحتاح للجوء للسلطة المدنية مثل الزواج والمحاكم الروحية مثلاً، والشرع الكنسي يعطي المؤسسة الكنيسة هذه الإمكانية (مجمع انطاكية قانون 5)(2).

من البيان ذاته يتضح أن المطران لجأ للقضاء المدني ليطالب “قيام حقوق لصالحه..”، ولأن المؤسسة الكنسية لم تعطه حقوقه لجأ للقضاء المدني، وأعتقد أن القضاء المدني في اميركا والغرب لا يُظلم لديه أحد و حتى إن كانت القضية مرفوعة بوجه رئيس دولة مثل ترامب مثلاً، فإن كانت المؤسسة الكنسية لها الحق ستأخذه أو العكس. صحيح

النقطة الثالثة: لم يوضح البيان ما هو سوء التصرف حيال الملكية العائدة للكنيسة والأمور المالية، أي الكلام حمّال أوجه، فهل هو باع أوقاف الكنيسة مثلاً وتاجر بها هل استعمل الأوقاف لمصالح شخصية، ولا أحد يعرف موقف المطران ولماذا ذهب إلى القضاء المدني، لدينا وجهة نظر واحدة بني عليها القرار لم تأتي من طرف مُدعي في القضية.

النقطة الرابعة: اتخاذ اجراء بحق مطران بهذه السهولة، يعني أن كل مطران ممكن بأي لحظة أن يُجرد، فقط يحتاج الأمر أن تشكل لجنة وتأخذ قرار وهو لا يعلم لماذا وكيف، بناء على ما تراه اللجنة بنظرها سوء سلوك لا بناء على ما تنص القوانين أو حقيقة الواقع والشهادة والدلائل.

        ليس همي أن أدافع عن أحد، همي أن أدافع عن وجه الكنيسة التي هي وجهنا والتي لا يحتكرها أحد، فما أود قوله إن الإيمان المستقيم يَظهر بسلوك المستقيم، ما نفع أن ندعي الإستقامة والارثوذكسية في الإيمان ونحن نخطو مسلكيات ليس أرثوذكسية، وخاصة أن يأتي هكذا قرار بالتجريد باسبوع الغفران حيث المغفرة وأن نتحمل بعضنا البعض ويراودني السؤال التالي كيف سيعظ البعض عن الغفران يوم الأحد القادم بعد هذا القرار؟  يقول المطران جورج خضر “إذا كان حماة القيم يدوسونها بأرجلهم فمن يصدق البشرى؟”(3)

 وإن القرارات التي تأخذها المؤسسة الكنسية وإن كانت نافذة بحكم السلطة، فإن لم تسلك مساراً أرثوبراكسي(مستقيم السلوك) الذي هو انعكاس استقامة الإيمان، تشوه وجه الكنيسة وتفقدها مصداقيتها في عيون أعضائها وعيون الكنائس والمؤسسات الأخرى، وتجعل كل قرار تأخذ فاقد لقيمته وإن كان نافذاً، يقول البطريرك هزيم “هناك طلاق بين مؤسساتنا الإيمان”، فهل يمكن لأن تكون المحاكم المدنية أكثر نزاهة وصدقاً وأمانة وإحقاق للحق والعدل من المؤسسة الكنسية التي قامت لإحقاق الحق والعدل اليسوعي، ” الطريق والحق الذي هو يسوع” يجب أن نسلك الطريق(يسوع) لنصل للحق(يسوع).

السؤال الأخير: لو كان يسوع حاضراً بشخصه بين اعضاء المجمع هل سيأخذ هكذا قرار؟ بمعنى آخر هل هذه إرادة المسيح، فصنعت؟ سؤال يجب للكل أن يسأله لنفسه لندخل نحو الفصح بسلام.

 المراجع:

1.    جورج توفيق غندور، أنطاكيا والقانون (نظام المجالس التأديبية الإكليريكية في الكرسي الأنطاكي للروم الأرثوذكسي)، تعاونية النور الأرثوذكسية صــ 559.

2.    الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، ترجمة الاشمندريت حنانيا الياس كساب، منشورات النور1998، صـ178.

3.    جورج خضر، حديث الأحد، الدين الأديان، الجزء الثاني

4.    اغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، نفحات انطاكية، منشورات بطريرك الروم الأرثوذكس، دمشق2007.

5.    مجموعة من المؤلفين، الأسقف في الكنيسة ((تعرف إلى كنيستك)) 16، منشورات النور 1984.