الأب لعازر عبود
أُعلن عن إقالة المطران هيلاريون من منصب رئيس قسم العلاقات الكنسية الخارجية بالكنيسة الروسية، وإعفائه من العضوية الدائمة في المجمع المقدس، في جلسة المجمع الروسي المنعقد اليوم
حيث كان موقف البطريرك كيرلس بطريرك روسيا مؤيدا للحرب العسكرية على أوكرانيا ومباركة لها، ويأتي هذا الدعم الكنسي للكرملين في حربه بسبب تنامي النزعة القومية الكنسية الأصولية الدينية التي يطلق عليها (العالم الروسي)، وشددت خطابات البطريرك مرارا على ايديولجية العالمَ الروسي وطورتها ودعمتها، وينص هذا التعليم(راجع نظرية روسكي مير عقيدة الأرض الروسية) ان هناك حيزا أو ثقافة روسية عابرة للقارات “روسيا المقدسة” وتضم روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا ويضاف اليها الروس المنتشرين في العالم والشعوب الناطقة بالروسية(1)، كما ينص على ان العالم الروسي له مركز سياسي مشترك هو موسكو ومركز روحي مشتر ولغة مشتركة (روسيّة) وكنسية مشتركة بطريركية موسكو(روما الثالثة) وبطريرك موسكو(بابا روما الجديدة) ويعمل بتناغم مع القيصر الروسي(الذي تعتبره الكنسية الروسية قيصر الرب(2) )، في سبيل حكم العالم الروسي واعتبار من هم خارج هذا العالم أعداء، ومن الملفت أن ما تعاني منه الكنيسة الروسية من تخبطات حالية بسبب الحرب على أوكرانيا وبسبب ايدولجيات جديدة تنسجها تيارات فكرية فيها، عانى منه العالم البيزنطي والعالم اليوناني والغربي في فترات سابقة.
في خضم رأي البطريرك الروسي بتأيده الكامل للحرب، حاول المطران هيلاريون أن يتميز برأيه وكان له مواقف خَفرة وإن لم تكن بإدانة الحرب علناً، ولكن على الأقل بعدم رغبته فيها أخلاقيا، حاول تلطيف توجه الكنيسة في قطع الشركة مع الكنائس اليونانية التي وافقت على قرار البطريرك المسكوني بقبول المنشقين الاوكران ” اعتقد إنه لا يجب اعتبار الكنائس القسطنطينة والإسكندرية وقبرص واليونان أعداء” كما تحدث عن صعوبات مؤقتة في الكنيسة الارثوذكسية وسيتم التغلب عليها بكل تأكيد، إيجاد حل شامل للارثوذكسية، واستعادة الشركة بين الكنائس، واظهر المطران تسامح غير مسبوق مع وفود جميع الكنائس في بارلميني ، يقول رئيس اساقفة قبرص: طلبت من المطران هيلاريون أن ينقل للبطريرك كيرلس أنه يجب أن يعود عن اخطائه ويبدأ في ذكرنا في القداس، وان نذكره، وأن نرسل له رسائل ويجيبنا” ثم يقول “لقد أبعدهم كيرلس، لأنه شخص أناني متفرد للغاية وتخشى المطارنة الحوار معه، لقد تصادمت معه مرات عديدة لأنه كان مخطئا” (3)
وطلبت جامعة جنيف من المطران هيلاريون إدانة حرب روسيا او إقالته من كونه محاضر فيها، اعلن بعدم قدرته، فقامت جامعة جنيف بتعليق عمله فيها
مافعله المطران هيلاريون هو محاولة خفرة للتميز عن التوجه العام للبطريرك كيرلس، فأظهر نوع من التسامح بالحوار، ورغبة في عودة الى الشراكة مع باقي الكنائس، وامتعاض خجول من الحرب الروسية
رغم هذه المواقف الخجولة لم يحتمل مجمع الكنيسة الروسية، وجود لو رغبة في مخالفته ولم يحتمل وجود رأي حر عبر عنه صاحبه بخفر، فأقاله من منصبه واعفاه من عضوية الدائمة للمجمع المقدس وهذا ما يطرح تساؤلات كثير مشروعة:
1. هل إقالة المطران هيلاريون يعني دخول الكنيسة بمرحلة جديدة ، وتوجه يلغي العمل المجمعي مقابل أسقفية بطريركية؟
2. هل تحولت الكنيسة من خادمة لأهداف إلهية وخلاص الإنسان إلى مبشرة ومحاربة لإيديولوجيات سياسية؟
3. ألا نرى أن التوجه الموافق لسياسية معينة “الروسية هنا”، هو التضحية بالإنسان الذي صلب المسيح لأجله الذي هو أغلى الوجود من أجل سياسات وإيدولوجيات معينة؟
4. ألا نرى أن المؤسسة الكنسية في روسيا ومن يماثل رأيها، أخفقت في واجبها وتعهدها بأن يكون ولائها ليسوع؟
5. إن التزام الكنيسة بإيديولوجيا معينة او سياسة معينة، ألا يحملها وزر فشل هذه الايديولوجيا، وهذا صار واضحا وأول علاماته اعلان استقلال كنيسة أوكرانيا عن بطريركية موسكو؟
6. ألا ندرك بعد ان السلطة السياسية تسخر الكنيسة لتحقيق أهدافها وغاياتها وتبرير أعمالها؟
7. قال رئيس أساقفة قبرص “أدركت أن والكنيسة الروسية أنهم في الماضي كانوا في ظل الشيوعية ولا يمكنهم التحدث” هنا ويطرح وما الفارق اليوم بين ان تكون الكنيسة في ظل شيوعية تحارب المسيحية وبين وجودها في ظل دولة أرثوذكسية أيضا لا يمكن التحدث في ظلها؟
هذه التساؤلات أصبح الإجابة عنها ضرورة وليس فقط مطروحة، وأصبح هناك واجب لإعادة تفعيل دور المؤسسة الكنيسة كخادمة لخلاص الإنسان، وإنقاذها من الارتباط الحميم مع السلطة السياسية، وأن تعود دورها يقول المطران جورج خضر “النهضة المسيحية في العالم لن تتم إلا اذا انهارت اخر دولة محسوبة على المسيحية، قيامة المسيح من تراب التاريخ في فجر جديد رهن هذا الانهيار” (4).
المراجع
1. إعلان مفهوم الأرض الروسية(روسكي مير)، مجموعة من اللاهوتيين،polymerwsvolos.org
2. جورج خضر/س.ترويتسكي، الكنيسة والدولة، سلسلة تعرف إلى كنيستك جزء3، منشورات النور، 1982، ص23
3. موقع orthodoxtime.com
4. جورج خضر ، حديث الأحد، الدين الأديان، الجزء الثاني، منشورات النور، ص32
.jpg)